
خالد سكت شوية، وأنا حسيت إن قلبي هيقف.
“قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرفي إن اختفائي من حياتك ماكانش بإرادتي.”
بصيت له وأنا مش فاهمة.
“أمال كان بإرادة مين؟”
خد نفس طويل وقال:
“أبوكِ.”
اتصدمت.
“أبويا؟!”
هز راسه.
“أيوه. يوم ما جيت أتقدم لك رسمي، أبوك قابلني لوحده. قالي إنك لازم تكملي تعليمك، وإنك لو اتجوزتيني هتسيبي كل أحلامك. وأنا حاولت أقنعه إني مستعد أستناك.”
سكت لحظة.
“لكن بعدها بيوم، أمي اتصلت بيا وقالتلي إن أبويا دخل المستشفى، وإن لازم أسافر فورًا.”
بصيت له بعدم تصديق.
“ولما رجعت… كنتِ اختفيتي.”
“أنا اللي اختفيت؟!”
ضحك بحزن.
“أنا حاولت أوصلك. اتصلت على رقمك القديم، رحت بيتكم، وحتى سألت أصحابك. أبوك قاللي إنك سافرتي واتجوزتي.”
دموعي نزلت.
“بس ده ماحصلش.”
“عارف دلوقتي.”
سكتنا الاتنين.
وبعدين سألت:
“طيب… إزاي بقيت أب البيبي؟”
خالد ابتسم ابتسامة صغيرة وسط دموعه.
“قبل ما نتفرق، إحنا كنا متفقين إننا عايزين عيلة. وبعد ما فقدت الأمل إني ألاقيكي، دخلت في برنامج أبوة بالإنجاب عن طريق التبرع بالبويضات والتلقيح الصناعي.”
اتجمدت.
“يعني…”
هز راسه.
“العينة اللي استخدموها كانت مني… والبويضة كانت من متبرعة.”
بصيت للطفلة.
“يعني هي بنتك؟”
“أيوه.”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“لكن اللي محدش كان يعرفه… إن الوكالة أخطأت في الإجراءات.”
قلبي بدأ يخبط.
“إيه الخطأ؟”
خالد بصلي مباشرة.
“البويضة اللي استخدموها ماكنتش من المتبرعة اللي في الملف.”
بصيت للبيبي.
وبعدين بصيت له.
“أمال من مين؟”
ما ردش.
في اللحظة دي دخلت ممرضة وقالت:
“مدام، الدكتور محتاج يشوفك.”
قمت وأنا لسه مش فاهمة.
وبعد ما خرجت الممرضة، خالد قال:
“المعمل اكتشف الخطأ بعد الولادة.”
“يعني إيه؟”
“يعني…”
وقف لحظة.
“الطفلة دي مش بس بنتي.”
سكت.
“دي بنتك إنتِ كمان.”
حسيت الدنيا بتلف بيا.
“مستحيل.”
خالد هز راسه.
“البويضة اللي اتستخدمت كانت من عينة محفوظة باسمك.”
غطيت وشي بإيدي.
“بس أنا ماكنتش عارفة إن في بويضات محفوظة ليا!”
قال:
“من سنين، قبل ما نتفرق، كنتِ عملتي فحوصات بسبب مشكلة صحية. العيادة احتفظت بعينات من غير ما نعرف إن الإجراءات اتغيرت بعدها.”
بصيت للطفلة اللي كانت نايمة على صدري.
وفجأة فهمت.
الطفلة اللي حملتها تسعة شهور…
كانت ابنتي أنا.
وبنت خالد.
القدر كان رجّع لنا ابنتنا بعد سنين من الفراق.
لكن كان لسه في مشكلة أكبر.
أحمد كان واقف عند الباب، وسمع كل حاجة.
وشه كان مصدوم.
قال:
“يعني… الـ80 ألف دولار؟”
بصيت له.
“إيه؟”
قال بسرعة:
“أنا صرفت جزء منهم بالفعل.”
خالد قرب منه.
“فلوس إيه؟”
أحمد اتوتر.
“فلوس العملية.”
خالد بصلي.
“هو قالك إن الفلوس كلها هتروح للعملية؟”
هزيت راسي.
“أيوه.”
خالد أخرج موبايله.
“أنا اتصلت بالوكالة قبل ما أجي. قالولي إن المبلغ المتفق عليه بالكامل اتحول لحسابك.”
بصيت لأحمد.
“حسابي؟”
وشه اتغير.
وبدأت الحقيقة تظهر واحدة واحدة.
أحمد ماكانش استخدم الفلوس كلها لعلاج مريم.
كان سدد جزء كبير من ديونه.
وأنا كنت حاملة طفلة تسعة شهور، معرضة للخطر، ومقتنعة إني بعمل ده عشان أنقذ بنتي.
اتصلت بالبنك، واتأكدت من التحويلات.
كل حاجة كانت باسمه.
وبعدها طلبت الطلاق.
ماحاولش حتى يعتذر.
كان كل اللي شاغله هو الفلوس.
لكن خالد وقف جنبي في كل خطوة.
الأهم من كده إن العملية بتاعة مريم تمت بنجاح.
بعد ساعات طويلة، خرج الدكتور وقال:
“العملية عدت على خير.”
وقتها انهرت من العياط.
ولأول مرة من شهور، حسيت إني أقدر أتنفس.
بعد أسبوع، رجعت البيت ومعايا بنتي الصغيرة.
وخالد كان معانا.
ومريم، رغم إنها كانت لسه ضعيفة، أول ما شافت البيبي ابتسمت.
“ماما… دي أختي؟”
ابتسمت وأنا بعيط.
“أيوه يا حبيبتي.”
خالد قرب منها وقال:
“وأنا أبوها.”
مريم بصت لنا الاتنين.
وبعدين قالت:
“يعني أنا كمان عندي أخت وأب؟”
ضحكت وسط دموعي.
“أيوه.”
مرت الشهور.
أحمد اتطلقنا رسميًا، واتحمل مسؤولية كل اللي عمله.
أما خالد، فالعلاقة بينا ما رجعتش في يوم وليلة.
إحنا كنا محتاجين وقت.
سنين من الوجع والبعد ما بتتمسحش بكلمتين.
لكننا بدأنا من جديد.
مش كحبيبين قدامى…
لكن كأب وأم لبنت كانت المفروض ما تتولدش بالطريقة دي.
وبعد سنة، وقف خالد قدامي في نفس المكان اللي كنا بنتقابل فيه زمان.
مسك إيدي وقال:
“المرة دي مش هسيبك.”
ابتسمت.
“والمرة دي، مفيش حد هيقرر مكاننا.”
وبصينا لبنتنا وهي بتجري ناحية أختها.
وقتها فهمت حاجة واحدة:
أحيانًا الحياة بتاخد منك الطريق اللي كنت فاكر إنه صح…
وتحطك في طريق أصعب بكتير.
لكن في نهايته، ممكن تلاقي الحاجة اللي كنت فاكر إنك خسرتها للأبد.
تمت
