روايات

التوأم في الصندوق بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

كان جيراني الجُدد لسه ساكنين جنبنا من أسبوع واحد، لما لقيت بنتين توأم صغيرين مستخبيين جوه صندوق الزبالة الفاضي بتاعي.

أنا أصلًا ماكنتش أعرف إن عندهم بنات.

كنت عارف إن أصحاب البيت الجُدد هينقلوا ويسكنوا خلال الشهر ده، لكنهم عمرهم ما جم يعرّفوا نفسهم أو حتى يقولوا السلام عليكم. كل اللي شفتهم مرة كان راجل وست واقفين في مدخل البيت، فافتكرت إنهم مجرد زوجين.

ماكنتش أعرف إن فيه أطفال عايشين معاهم.

وعشان كده اتلخبطت جدًا لما خرجت عشان أرجّع صندوق الزبالة الفاضي من على الرصيف، ولاحظت إنه تقيل بشكل غريب.

في الأول افتكرت إن حد ساب حاجة جواه.

لكن بعدها سمعت صوت حركة.

رفعت الغطا ببطء… واتجمدت مكاني.

كان فيه بنتين صغيرين مرعوبين، مستخبيين جوه الصندوق، وباصين لي بعينين واسعتين مليانين خوف.

كان واضح إنهم توأم، ومكانوش أكبر من تلات سنين.

في اللحظة الأولى، افتكرت إنهم بيلعبوا استغماية، فابتسمت وحاولت أتكلم معاهم بهدوء.

قلت لهم:
“إنتوا بتعملوا إيه هنا؟ مينفعش تختبوا جوه صندوق الزبالة، ده مكان مش نضيف. لو بتلعبوا استغماية، تعالى نلاقي لكم مكان أحسن تختبوا فيه.”

ولا واحدة فيهم ابتسمت.

فضلوا بس باصين لي، وكأنهم تايهين ومش فاهمين يعملوا إيه.

وبعد لحظات، واحدة من البنتين اتكلمت أخيرًا بصوت واطي جدًا:

“إحنا مش بنلعب… إحنا مستخبيين.”

بصت ناحية البيت اللي جنبنا، وبعدها رجعت بصت لي.

ثم قالت:

“أرجوك… ما تخليش هو يعرف إننا هنا.”

قلت وأنا بانزل لمستواهم:
“مين هو؟”

البنتين بصوا لبعض، وكأنهم خايفين حتى يقولوا اسمه.

وبعدين التوأم اللي اتكلمت الأول قربت مني وهمست:

“بابا.”

اتجمدت.

بصيت ناحية البيت اللي جنبنا، وبعدها رجعت بصيت لهم.

“باباكم؟ هو اللي خلاكم تختبوا هنا؟”

البنت هزت راسها بسرعة.

“قال لنا لو خرجنا من الأوضة هيقتلنا.”

قلبي وقع في رجلي.

حاولت أبان هادي عشان ما أخوفهمش أكتر.

“إنتوا اسمكم إيه؟”

“ملك.”

وأشارت لأختها.

“دي مريم.”

مديت إيدي لهم وقلت:
“طيب يا ملك ويا مريم، انزلوا من هنا وتعالوا معايا. محدش هيأذيكم.”

لكن ملك مسكت إيدي بقوة.

“لا! لو شافنا عندك هيعرف إننا هربنا.”

في اللحظة دي سمعت صوت باب البيت اللي جنبنا بيتفتح.

البنتين اتكوروا جوه الصندوق من الخوف.

وأنا حسيت إن الدم اتسحب من وشي.

خرج راجل من البيت.

كان هو نفس الراجل اللي شفته يوم النقل.

وقف في الجنينة وبص حواليه.

وبعدين نادى بصوت عالي:

“ملك! مريم!”

البنتين بدأوا يرتعشوا.

أنا بسرعة قفلت غطا صندوق الزبالة، لكن من غير ما أقفله بالكامل، ووقفت قدامه كأني بحاول أجره ناحية البيت.

الراجل قرب مني.

“مساء الخير.”

قلت:
“مساء النور.”

ابتسم ابتسامة غريبة وقال:
“شوفت بنتين صغيرين معديين من هنا؟”

هزيت راسي.

“لأ.”

فضل باصص لي ثواني طويلة.

وبعدين قال:
“لو شفتهم، بلغني فورًا. البنات مشاغبين وبيحبوا يهربوا.”

ابتسمت وقلت:
“أكيد.”

رجع ناحية بيته.

استنيت لحد ما دخل، وبعدها فتحت الغطا بسرعة.

“انزلوا.”

طلعت ملك ومريم وهما بيعيطوا في صمت.

دخلتهم بيتي وقفلت الباب بالمفتاح.

أول حاجة عملتها إني اديتهم مية وأكل.

وبعد ما هديوا شوية، سألتهم:

“باباكم ضربكم؟”

ملك هزت راسها.

“كان بيضرب ماما الأول.”

سألتها:
“فين مامتكم؟”

البنت بصت للأرض.

“ماتت.”

حسيت بقشعريرة في جسمي.

“إمتى؟”

“من تلات أيام.”

“إيه؟!”

بصت لي مريم وقالت:

“بابا قال إنها وقعت على السلم.”

لكن ملك قاطعتها بسرعة:

“لأ.”

بصت لأختها.

“إنتِ قلتي إننا ما نقولش.”

سألتهم:
“تقولوا إيه؟”

ملك بدأت تبكي.

“ماما ما وقعتش.”

سكت.

“بابا قتلها.”

فضلت أبص لهم وأنا مش قادر أستوعب.

كنت عارف إن لازم أتصل بالشرطة فورًا، لكن كان فيه حاجة في كلامهم خلتني أتردد.

قلت:
“إنتوا شفتوا اللي حصل؟”

ملك هزت راسها.

“كنا مستخبيين تحت السرير.”

“وشفتوا إيه؟”

قالت بصوت مرتعش:

“بابا كان بيزعق لماما… وبعدين ضربها.”

غطت ودانها بإيديها.

“وبعدين ماما وقعت وما قامتش.”

مريم بدأت تقول:
“وبابا قال لنا لو قولنا لحد، هيعمل فينا زيها.”

اتصلت بالشرطة فورًا.

لكن قبل ما أوصل أشرح كل حاجة، سمعت خبط شديد على باب بيتي.

“افتح الباب!”

كان هو.

أبو البنات.

البنتين جريوا ناحية غرفة النوم واستخبوا.

وقفت قدام الباب.

“عايز إيه؟”

صرخ:
“أنا عارف إن البنات عندك!”

ما رديتش.

بدأ يخبط على الباب بعنف.

“افتح!”

في اللحظة دي وصلت الشرطة.

سمعت صوت عربيات بتقف قدام البيت.

الرجل حاول يهرب، لكن اتقبض عليه عند مدخل الشارع.

الشرطة دخلت بيتي ووجدت ملك ومريم مختبئتين.

وبعد ما أخدوهم لمكان آمن، فتشوا بيت الرجل.

وهناك اكتشفوا شيئًا جعل القضية أكبر بكثير مما تخيلت.

مرات الراجل لم تكن أول ضحية.

الشرطة وجدت صورًا ووثائق وأغراضًا تخص امرأة أخرى كانت عايشة معاه قبل زوجته الأخيرة.

والأخطر من كده…

اكتشفوا إن المرأة دي كانت أخت زوجته.

اتضح إن الرجل كان متجوز عرفي من سنين، وكل مرة تحصل مشكلة مع واحدة من الستات اللي في حياته، كان بيغير مكانه ويبدأ حياة جديدة باسم مختلف.

لكن مريم وملك كانوا الشاهدين الوحيدين على اللي حصل لوالدتهم.

وبعد أسابيع من التحقيق، أثبت الطب الشرعي إن وفاة والدتهم ما كانتش حادثة.

كانت جريمة قتل.

أما البنات، فاتنقلوا لدار رعاية مؤقتًا، وبعد فترة بدأت جدتهم من ناحية الأم إجراءات حضانتهم.

قبل ما البنات يمشوا، جت ملك تزورني مع جدتها.

وقفت قدامي، ومدت إيدها الصغيرة.

كان في إيدها لعبة بلاستيك صغيرة على شكل عربية زبالة.

وقالت:

“دي عشانك.”

ضحكت رغم إن عيني كانت مليانة دموع.

سألتها:
“ليه؟”

قالت:

“عشان صندوق الزبالة أنقذنا.”

حضنتها.

لكن قبل ما تمشي، رجعت بصت لي وقالت:

“لو مكنتش فتحت الغطا… كان بابا هيلقينا.”

ساعتها فهمت إن اللي أنقذ البنتين ماكانش صندوق الزبالة.

كان مجرد صدفة.

الصدفة خلتني أخرج في اللحظة المناسبة.

واللحظة المناسبة خلتني أفتح الغطا.

وأحيانًا، أغرب الأشياء اللي بنعتبرها مجرد صدفة…

بتكون هي السبب الوحيد إن حياة إنسان كامل تتغير.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!