
لما وافقت أبقى أم بديلة عشان أوفّر فلوس عملية بنتي — لكن بعد ما ولدت، عشت حاجة محدش يتمنى لأي ست تمر بيها جوه أوضة الولادة.
لما بنتي **مريم**، اللي عندها 12 سنة، بدأت تتعب، فضلت أقول لنفسي إن دي مجرد إنفلونزا وحشة وهتعدي. لكن حالتها فضلت تسوء يوم ورا يوم. وبعد أسبوعين، الدكتور الجراح قالنا:
“هي محتاجة عملية طوارئ، ومينفعش نستنى أكتر من كده.”
إحنا ماكانش معانا فلوس. بالعافية كنا موفّرين مصاريف البيت، خصوصًا بعد ما جوزي **أحمد** كان واخد كذا قرض.
فعشان كده، لما قالها لأول مرة، بصراحة افتكرت إني سمعت غلط.
“إنتِ ممكن تبقي أم بديلة. أنا أعرف واحد هيدفع 80 ألف دولار مقابل ده. والمبلغ ده كمان هيكفّي إني أسدد ديوني.”
اتجننت من الغضب.
اتخانقنا خناقة كبيرة.
لكن حالة مريم كانت بتسوء أكتر وأكتر، وفي الآخر وافقت.
أحمد هو اللي رتّب كل حاجة. وكالة خاصة، وكل الرعاية الطبية متكفّل بيها، ومبلغ ضخم من أب كان عايز طفل وطلب إن هويته تفضل سرية تمامًا.
“إنتِ حتى مش هتضطري تقابليه،” أحمد وعدني. “أنا هتعامل مع كل المكالمات والورق. الفلوس دي ممكن تنقذ بنتنا.”
الحمل كان أصعب بكتير مما كنت متخيلة.
حالة مريم ما كانتش بتتحسن، وأنا وأحمد بقينا بنتخانق طول الوقت.
كل ما كنت أطلب منه يساعدني، كان بيرد بعصبية:
“إنتِ عندك مهمة واحدة بس — تسددي ديوني. أي حاجة تانية تستنى.”
هو حتى ماكانش فاهم إني وافقت على الموضوع ده عشان بنتنا، مش عشان ديونه.
لما وصلت للشهر السابع، بقينا تقريبًا مش قادرين نتكلم مع بعض من غير ما الخناقة تبدأ.
لكن أسوأ حاجة كانت حاجة ماقدرتش أعترف بيها حتى لنفسي.
أنا حبيت البيبي.
كنت عارفة إني وافقت أحملها عشان ناس تانية، لكن مع الوقت حسيت إنها بقت جزء مني.
ماقدرتش أصدق إني في الآخر المفروض أسلّمها لناس غرب عني تمامًا.
يوم الولادة، كل حاجة عدّت بخير.
ولما الممرضة حطتها على صدري، لفت إيدها الصغيرة حوالين صباعي.
طبعت بوسة على راسها الصغيرة.
وهمست لها:
“أنا آسفة يا حبيبتي.”
أما أحمد، فكان شكله شبه فرحان.
وقال:
“أبو البيبي داخل دلوقتي. أخيرًا هاخد باقي الفلوس، وكل العذاب اللي عيشته ده هيخلص!”
انفجرت في العياط.
وفجأة، باب أوضة الولادة اتفتح.
دخل راجل وهو ماسك بطانية أطفال وردي مطوية.
بصيت في وشه…
وفجأة حسيت إن نفسي اتقطع.
أنا كنت شوفته قبل كده.
من سنين.
وقضيت كل السنين دي وأنا مقتنعة إني عمري ما هشوفه تاني.
بصيت له وأنا مش قادرة أصدق عيني.
وهمست:
“إزاي… إزاي تكون إنت؟!”
وشه شحب تمامًا.
بصلي وهو مش قادر يستوعب اللي بيحصل، وقال:
“إزاي ده ممكن يكون حصل أصلًا؟”
قربت منه وأنا بترعش، وهمست:
“إزاي… إمتى كنت ناوي تقولي؟”
اتجمّد مكانه، وبصلي كأنه شاف شبح قدامه.
وبعدين عينه نزلت على البيبي اللي كانت لسه بين إيديا.
“إنتِ…” قالها بصوت متقطع. “إنتِ اللي كنتِ حامل؟”
ماعرفتش أرد.
قلبي كان بيخبط بعنف لدرجة إني كنت حاسة إنه هيطلع من صدري.
بصيت لأحمد، لقيته واقف بعيد، ووشه اتغير تمامًا.
“إنت كنت عارف؟” الراجل سأله.
أحمد ما ردش.
رفع صوته:
“أنا بسألك… إنت كنت عارف إنها هي؟”
أحمد بلع ريقه وقال:
“أنا… ماكنتش عارف.”
بصيت لأحمد باستغراب.
“إنت بتكدب!”
افتكرت كل حاجة فجأة.
الوكالة.
الأوراق.
السرية.
ووعد أحمد إني عمري ما هقابل الأب.
رفعت عيني للراجل اللي قدامي.
“إنت الأب؟”
هز راسه ببطء.
“أيوه.”
بدأت أعيط أكتر.
“بس… إزاي؟ إزاي أنت؟”
قرب خطوة، لكن وقف مكانه.
“لما الوكالة قالتلي إن فيه أم بديلة، طلبت إن كل حاجة تفضل سرية. كنت عايز طفل، لكني ماكنتش أعرف مين الست اللي هتحمله.”
بص للبيبي.
“ولما عرفت إن الولادة تمت، جيت أخد بنتي.”
صمت لحظة، وبعدين قال:
“بس أول ما دخلت وشفتك… حسيت إن الدنيا وقفت.”
أنا كنت عاجزة عن الكلام.
لأن الراجل اللي واقف قدامي ماكانش مجرد شخص من الماضي.
كان خالد.
حب عمري الأول.
الشخص اللي اختفى من حياتي من غير تفسير، واللي قضيت سنين أحاول أنساه.
قبل ما أقدر أقول أي حاجة، أحمد اندفع ناحية السرير.
“خلاص! الموضوع انتهى. خد بنتك وادينا باقي الفلوس.”
بصيت له بصدمة.
“أحمد!”
لكنه كمل:
“إحنا اتفقنا على 80 ألف. وأنا عايز باقي المبلغ دلوقتي.”
خالد بصله باستغراب.
“إحنا؟”
وبعدين بصلي.
“إنتِ وافقتِ على الموضوع ده عشان فلوسه؟”
هزيت راسي وأنا بعيط.
“مش عشان فلوسه… عشان بنتي. مريم كانت محتاجة عملية.”
خالد قرب مني.
“بنتك مريم؟”
“أيوه.”
“إيه اللي حصل لها؟”
حكيت له بسرعة عن مرضها، وعن العملية، وعن الديون، وعن كل اللي حصل.
كل ما كنت بحكي، ملامح خالد كانت بتتغير.
لحد ما قال:
“إنتِ كنتِ بتعملي كل ده عشان تنقذي بنتك؟”
هزيت راسي.
سكت ثواني، وبعدين مد إيده لجيبه وطلع تليفونه.
“اسم المستشفى اللي مريم فيه إيه؟”
قلت له.
“ليه؟”
بصلي بثبات.
“لأن العملية دي هتتعمل النهارده.”
أحمد اتدخل بسرعة:
“إنت مالك؟ دي مش مشكلتك.”
خالد لف له.
“بالعكس… دي مشكلتي.”
وبعدين بص للبيبي.
“لأن البنت دي مش هتكون الحاجة الوحيدة اللي هتحمّل مسؤوليتها.”
أنا ما فهمتش قصده.
لكن بعد دقائق، جالي اتصال من المستشفى.
الدكتور قال:
“مدام… في حد دفع كامل تكاليف العملية، وطلب إن اسم المتبرع يفضل سري.”
بصيت لخالد.
كان واقف قدامي، وعينه مليانة دموع.
وقال بهدوء:
“أنا ضيعت سنين من عمري بعيد عنك… بس مش هضيّع دقيقة واحدة مع بنتي.”
وبعدين بصلي وقال الجملة اللي هزتني:
“لأن من الواضح إننا لازم نتكلم عن اللي حصل من سنين… وعن السبب الحقيقي اللي خلاني أختفي من حياتك.”
