روايات

سافر وندم بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

جوزي سافر يصيف من غيري قبل ميعاد الولادة القيصرية بتاعتي بتوأم بكام يوم — ولما رجع، كانت مفاجأة خاصة مستنياه في البيت.

أنا وجوزي **كريم** كنا فرحانين جدًا لما عرفنا إني حامل في توأم.

بس الحمل كان صعب جدًا. الدكتور قالي إني لازم أولد بعملية قيصرية محددة، ومع اقتراب ميعاد الولادة، حددلي اليوم بالظبط.

الدكتور حذرنا كمان إن فترة التعافي بعد القيصرية ممكن تكون صعبة، وإن كريم لازم يكون مستعد يساعدني في كل حاجة في البيت، وكمان في رعاية البيبيهات.

لكن بدل ما يستعد، كريم جه وقاللي:

“حبيبتي، أنا وأصحابي قررنا نروح نصيف على البحر كام يوم. إيه أحلى من كده؟”

بصيتله وأنا مش مصدقة، وقلتله:

“كريم، أنا ميعاد العملية بتاعتي بعد كام يوم بس! أنا بالعافية بقدر أقوم من السرير. إزاي دلوقتي بالذات يبقى وقت مناسب للسفر؟”

هز كتافه وقال:

“أنا عايز أرتاح شوية قبل ما العياط وتغيير الحفاضات وكل المسؤوليات دي تبدأ. هرجع قبل العملية. إيه المشكلة؟”

فضل مصمم على رأيه، وكل شوية يكرر إنه عايز يفصل ويرتاح قبل ما البنات يوصلوا، مع إنه كان شايف بعينه إني بالعافية بقدر أمشي من أوضة لأوضة عشان أجيب لنفسي كباية مية.

ومهما حاولت أقنعه يأجل السفر، سافر فعلًا.

أمي جت عندي عشان تساعدني في البيت، وبعد كام يوم بالظبط، جه اليوم اللي الدكتور كان محدده للعملية.

دخلت المستشفى وعملت العملية القيصرية، وفي نفس الوقت كان كريم بينزل صور لنفسه على البحر، قاعد بيشرب كوكتيلات وبيتبسط، وهو على بُعد حوالي ألفين كيلو مني!

وكما ممكن تتوقعوا…

**كريم ما لحقش يرجع وقت الولادة.**

ولدت بنتين توأم جميلين جدًا.

ولما خرجت من المستشفى ورجعت البيت، كان المفروض إن كريم يكون رجع من السفر خلاص.

لكن أنا ما بعتلوش رسالة.

وما اتصلتش بيه.

بس ده مش معناه إنه هيهرب من مسؤوليته.

كان لازم يتعلم الدرس.

وفي يوم رجوع كريم المفروض من السفر، دعوت **شخص معين** على بيتنا.

وأول ما كريم دخل من باب الشقة وشاف **مين كان مستنيه في الصالة**…

وقع الشنطة من إيده على الأرض.

دخل كريم الصالة وهو لسه بيحاول يستوعب اللي شايفه.

بصلي الأول، وبعدها بص للشخص اللي كان قاعد قدامه.

وشه اتغير تمامًا.

“إنتِ عملتي إيه يا ندى؟”

أنا ما رديتش.

كنت قاعدة على الكنبة، واحدة من البنات نايمة جنبي، والتانية في حضني. جسمي كان لسه تعبان من العملية، وكل حركة كانت بتوجعني.

أما الشخص اللي كنت دعوته، فكان أبو كريم.

رفع عينه لابنه وقال بهدوء:

“أنا اللي طلبت منها تيجيبني هنا.”

كريم بلع ريقه.

“بابا… إنت هنا ليه؟”

رد والده:

“عشان أسمع منك بنفسك إزاي قدرت تسيب مراتك وهي في آخر أيام حملها بتوأم، وتسافر تصيف مع أصحابك.”

كريم بصلي بعصبية.

“هي كلمتك؟!”

قلتله:

“لأ. أنا ما كلمتش باباك عشان أشتكي منك.”

وسكت شوية، وبعدين كملت:

“أنا عزمته عشان يشوف بنفسه أنت عملت إيه.”

بص كريم للبنتين لأول مرة.

اتجمد مكانه.

قرب خطوة.

“دول… بناتي؟”

رديت عليه:

“أيوه. دول بنتيك.”

قرب أكتر، وعينيه بدأت تدمع.

“ليه ما قولتيليش إنك ولدتِ؟”

ضحكت بسخرية.

“وأقولك إيه؟ أقولك إن العملية تمت في معادها وإنك ما كنتش موجود؟ ولا أقولك إن أمك وأمي كانوا حواليا وإنت كنت على البحر؟”

سكت.

أبو كريم بصله وقال:

“عارف إيه اللي وجعني أكتر من إنك سافرت؟”

كريم ما ردش.

قال والده:

“إنك كنت عارف إن مراتك مش قادرة تتحرك، وعارف إن عندها عملية كبيرة، ومع ذلك قررت إن راحتك أهم.”

كريم نزل عينيه للأرض.

“أنا كنت فاكر إني هرجع قبل العملية.”

قلتله:

“بس ما رجعتش.”

“الطيران اتأخر…”

قاطعته:

“ما تبررش.”

سكت تمامًا.

وبعدين قرب مني وقال:

“ندى، أنا غلطت.”

قلتله:

“أيوه. غلطت.”

مد إيده ناحية واحدة من البنات، لكنه وقف قبل ما يلمسها.

“ممكن أشيلها؟”

بصيتله شوية.

وبعدين قلت:

“طبعًا. دي بنتك.”

شالها بحذر شديد.

أول ما البنت فتحت عينيها وبصتله، انهار تمامًا.

دموعه نزلت وهو بيقول:

“أنا آسف يا بابا… آسف إني ما كنتش موجود.”

أبو كريم قال:

“اعتذارك مش ليا. اعتذر لأم بناتك.”

بصلي كريم.

“أنا آسف يا ندى. والله ما كنت متخيل إن الموضوع هيوصل لكده.”

قلتله:

“وده بالظبط اللي أنا عايزاك تفهمه. الأبوة مش بتبدأ يوم ما تشيل الطفل. الأبوة بتبدأ من وقت ما تعرف إن فيه طفل مستنيك.”

هز راسه.

“عندك حق.”

وقتها دخلت أمي من المطبخ، وكانت سامعة آخر الكلام.

حطت الأكل على الترابيزة وقالت:

“قبل ما تتكلموا عن أي حاجة، ندى لازم ترتاح. العملية لسه من كام يوم.”

كريم بصلي وقال:

“أنا ههتم بيها.”

رديت بهدوء:

“مش بالكلام.”

سكت.

قلت:

“أنا مش عايزاك تعوضني بكلمتين ولا بهدية ولا بسفرة تانية. أنا عايزاك تثبتلي بالفعل إنك فهمت اللي عملته.”

قعد كريم على الكرسي، ولسه شايل بنته.

وبعد لحظات قال:

“هعمل أي حاجة.”

قلتله:

“ابدأ من النهارده.”

ومن اليوم ده، كريم اتغير فعلًا.

بطل السهر والخروج، وبدأ يقضي كل وقته في البيت.

كان بيصحى بالليل لما البنات يعيطوا، ويغير لهم، ويجيبلي المية والأكل، ويساعدني في الحركة.

وفي كل مرة كنت بتوجع من العملية، كان يقول:

“ماتتحركيش، أنا هعملها.”

بعد أسبوعين، كنا قاعدين سوا في الصالة.

بصلي وقال:

“ندى، عارفة أكتر حاجة ندمت عليها؟”

“إيه؟”

قال:

“إني كنت فاكر إن السفر ده مجرد كام يوم، وإن رجوعي هيخلي كل حاجة عادي.”

سكت لحظة.

“بس لما دخلت البيت وشوفت أبويا مستنيني… وبعدين شوفت البنات… فهمت إني كنت بفكر في نفسي بس.”

بصيتله.

“المهم إنك فهمت.”

ابتسم ابتسامة صغيرة.

“وأنا كمان عايز أقولك حاجة.”

“إيه؟”

قال:

“أنا مش هنسى اليوم اللي رجعت فيه ولقيتك مستنياني بمفاجأة.”

ضحكت.

“دي كانت مش أحلى مفاجأة بالنسبة لك.”

هز راسه وقال:

“لأ… كانت أحسن واحدة.”

وبعدين بص للبنتين وقال:

“عشان بسببها عرفت إن عندي عيلة لازم أحافظ عليها.”

أنا ما نسيتش اللي حصل.

ومسامحتي ليه ما كانتش معناها إن اللي عمله بقى عادي.

لكن مع الوقت، بدأت أشوف التغيير الحقيقي في تصرفاته.

وبعد شهور، في يوم عيد ميلاد بنتينا الأول، وقف كريم قدام العيلة كلها وقال:

“أنا عندي اعتذار لمراتي لازم أقوله قدامكم.”

بصلي وقال:

“أنا في يوم من الأيام اخترت البحر وأصحابي وراحتي، في وقت كانت فيه مراتي محتاجاني أكتر من أي وقت. وهي بدل ما تنتقم مني، خلتني أشوف بعيني أنا خسرت إيه.”

ابتسمت رغم دموعي.

وقال:

“ومن يومها، بقيت عارف إن مفيش إجازة في الدنيا تستاهل إني أسيب عيلتي عشانها.”

بصيت للبنتين اللي كانوا بيلعبوا قدامنا، وابتسمت.

يمكن كريم ما كانش موجود يوم ولادتهم.

لكن على الأقل…

اتعلم أخيرًا إن البيت اللي عنده فيه زوجة وبنتين، أهم بكتير من أي شاطئ في الدنيا.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!