
كنت بشتغل بقالّي سنين في تحقيق أمنيات الأطفال اللي عندهم أمرا-ض خطير-ة ومش فاضلهم كتير في الدنيا، بس أول ما شفت اسم واحد في طلب من الطلبات، اضطريت أقراه 3 مرات.
حبيبتي الأولى… **ريبيكا**.
البنت اللي زمان كنت فاكر إني هتجوزها.
اختفت بعد ما اتخرجنا من المدرسة بـ12 سنة، من غير أي إنذار ولا حتى ما تقولّي السبب.
ودلوقتي، بنتها اللي عندها 12 سنة، **صوفي**، كانت مريضة مرض خطير.
رحت بيتهم بنفسي، مع إني عمري ما بعمل كده.
أول ما ريبيكا فتحت الباب وشافتني واقف قدامها، وشّها اصفر وكل الدم انسحب منه.
“دانيال… إنت بتعمل إيه هنا؟”
“أنا جيت عشان صوفي.”
هزّت راسها بسرعة.
“لأ. مستحيل. أنا عارفة المؤسسة بتاعتك بتعمل إيه، ومش عايزاك تصرف آلاف الجنيهات علينا.”
وفجأة سمعت صوت صغير جاي من وراها.
“ماما؟”
صوفي كانت واقفة في طرقة الشقة.
وأول ما ابتسمتلي، حسيت بحاجة شدت قلبي.
نزلت على ركبتي قدامها وقلت:
“سمعت إن المفروض أحققلك أكبر أمنية عندك.”
فضلت تفكر بجدية كام ثانية.
وبعدين قالت:
“ممكن آكل بان كيك الساعة 12 بالليل؟”
ضحكت غصب عني.
“يا صوفي، إنتِ ممكن تطلبي أي حاجة.”
ابتسمت وقالت:
“أنا عارفة. بس عمري ما أكلت بان كيك نص الليل.”
وفعلًا، الساعة 12:01 بالظبط، كنا قاعدين على أرض مطبخهم بناكل بان كيك بالفراولة، عشان صوفي كانت مصممة إن طعمه أحلى وإحنا قاعدين على الأرض.
بعد كام يوم، حاولت أسألها تاني.
“طب المرة دي عايز أمنية حقيقية. ديزني لاند؟ تقابلي حد مشهور؟”
ضحكت وقالت:
“أنا عايزة أركب عربية حمراء مكشوفة، والسقف مفتوح.”
دورتلها على واحدة وجبتها.
بعدها، بطلت أروح عندهم عشان شغل المؤسسة.
بقيت بروح عشان صوفي كانت تبعتلي رسالة تقول:
“إنت مشغول؟”
وبطريقة غريبة، عمري ما كنت ببقى مشغول وقتها.
كنا بنأكل البط سوا، ونتفرج على أفلام وحشة، ونبني خيمة من البطاطين في أوضة المعيشة.
وفي وقت ما، البنت الصغيرة دي مبقتش مجرد طفلة أنا المفروض أحقق أمنيتها.
أنا بقيت متعلق بيها.
بشكل عميق.
وكل مرة كنت ألمح ريبيكا وهي بتبص علينا وإحنا سوا، كنت بشوف في عينيها إحساس مش قادر أفهمه.
لحد ليلة، صوفي طلبت مني أطلع معاها فوق لوحدنا.
كانت قاعدة على سريرها، وساكتة بشكل غريب، وماسكة صورة قديمة بإيديها جامد.
“دانيال…” همست، “أنا أخيرًا عرفت أمنيتي الحقيقية.”
ابتسمت وقربت الكرسي منها.
“قوليلي. مهما كانت، أنا هحققها.”
لكن صوفي ما ابتسمتش.
عينيها املت بالدموع.
“لو قلتلك، ممكن تزعل من ماما. وممكن تخرج من الباب ده ومترجعش تاني، وماتحبش تشوفني.”
ابتسامتي اختفت.
بصيتلها وقلت:
“صوفي، مفيش حاجة ممكن تقوليها تخليني أعمل كده.”
فضلت تبصلي فترة طويلة، وبعدين همست بكام كلمة.
وأول ما فهمت صوفي كانت بتقول إيه بالظبط…
**دمي تلج في عروقي.**
صوفي بلعت ريقها، وبصتلي بعينين مليانين خوف.
“أنا عايزة أقابل بابا.”
سكت.
حسيت إن الكلام نزل عليّا زي الصدمة.
بصيت للصورة اللي كانت ماسكاها، ومديت إيدي أخدها منها.
وأول ما شفت الصورة، اتجمدت مكاني.
كان فيها ريبيكا وهي أصغر بسنين، واقفة جنب راجل أنا معرفوش.
لكن الراجل كان شايل طفلة صغيرة جدًا بين إيديه.
صوفي.
رفعت عيني ليها.
“إنتِ… عمرك قابلتي بابا قبل كده؟”
هزت راسها.
“لأ.”
“طب تعرفي هو فين؟”
دموعها نزلت.
“ماما قالتلي إنه مات.”
اتنفست ببطء.
“وصورة إيه دي؟”
صوفي مسحت دموعها بطرف إيدها.
“دي الصورة الوحيدة اللي عندي ليه.”
فضلت ساكت.
كان فيه حاجة غلط.
حاجة كبيرة جدًا.
خرجت من أوضتها ونزلت بسرعة على السلم.
لقيت ريبيكا واقفة في المطبخ، ضهرها ناحيتي.
أول ما سمعت صوت خطواتي، لفت.
وأول ما شافت الصورة في إيدي، وشها اتغير.
“إنت شفتها؟”
صوتها كان ضعيف.
قلت:
“صوفي قالتلي إنها عايزة تقابل أبوها.”
ريبيكا قفلت عينيها.
“دانيال، أرجوك… متدخلش في الموضوع ده.”
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
“متدخلش؟ بنتك مريضة، وأكبر أمنية عندها إنها تعرف أبوها!”
صرخت:
“إنت مش فاهم!”
“يبقى فهميني!”
سكتت.
وبعدين قالت جملة واحدة خلتني أحس إن الأرض بتتهز تحتي.
“أبوها مش راجل غريب.”
بصيتلها.
“أمال مين؟”
رفعت عيني في عيني.
“إنت.”
ماعرفتش أتكلم.
حاولت أضحك، لكن صوتي مطلعش.
“إيه؟”
ريبيكا قربت خطوة.
“صوفي بنتك يا دانيال.”
حسيت إن كل الأصوات حواليّا اختفت.
“لأ.”
هزت راسها وهي بتعيط.
“أيوه.”
“إنتِ كنتِ حامل؟”
“أيوه.”
“وطول الـ12 سنة دول… كنتِ عارفة؟”
“كنت عارفة.”
“وماقولتيليش؟”
بدأت تعيط أكتر.
“كنت خايفة.”
صرخت:
“خايفة من إيه؟!”
قالت وهي بتبص للأرض:
“أبويا.”
سكت.
ريبيكا مسحت دموعها وقالت:
“بعد ما اتخرجنا، عرفت إني حامل. أبويا كان رافض علاقتنا من الأساس. لما عرف إني حامل، هددني إنه لو رجعتلك أو قلتلك إنك أب صوفي، هيخليني أخسر كل حاجة.”
“وإنتِ صدقتيه؟”
“كان ممكن ينفذ كلامه.”
بصيت للصورة تاني.
وبصوت مكسور سألت:
“طب ليه رجعتي تظهرّي دلوقتي؟”
ريبيكا أخدت نفس طويل.
“أنا مظهرتش. طلب المؤسسة وصل عندي بالصدفة.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
“ولما شفت اسمك… عرفت إن مفيش وقت أكتر أضيعه.”
في اللحظة دي سمعت صوت صوفي من ورايا.
“يعني… هو بابايا؟”
لفيت.
كانت واقفة على أول السلم، ودموعها على وشها.
ريبيكا قربت منها.
لكن صوفي جريت ناحيتي.
وقفت قدامي، وبصتلي كأنها مستنية إجابة.
ركعت قدامها.
حاولت أتكلم، لكن صوتي خانني.
في الآخر قلت:
“أيوه يا صوفي.”
حضنتني بكل قوتها.
وأنا لأول مرة من سنين، عيطت من غير ما أحاول أخبي دموعي.
لكن صوفي فجأة بعدت عني، وبصتلي بخوف.
“طب… إنت هتفضل معايا؟”
مسكت إيديها.
“أنا مش هسيبك.”
هزت راسها.
“حتى لو أنا تعبت أكتر؟”
حسيت قلبي اتكسر.
“خصوصًا لو تعبتي أكتر.”
ابتسمت وسط دموعها.
وبعدين قالت:
“يبقى دي مش أمنيتي الأخيرة.”
بصيتلها باستغراب.
“أمال إيه؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
“أمنيتي الأخيرة… إننا نبقى عيلة قبل ما يكون الوقت خلص.”
ساعتها، مقدرتش أتمالك نفسي.
بصيت لريبيكا، ولأول مرة من 12 سنة، حسيت إن البنت اللي ضاعت مني زمان…
رجعتلي.
بس المرة دي، ماكنتش لوحدها.
كانت جاية ومعاها بنتي.
