روايات

سر زوجي قبل مو-ته بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

من شهر، جوزي «حسن» مات. كنا متجوزين بقالنا 52 سنة.

عيلتنا كانت بعيدة عني، وبعد العزا رجعت لبيتي اللي بقى فاضي وموحش. كنت لوحدي تمامًا، ومكنتش عارفة أعمل إيه في حياتي من غيره. عشان كده بدأت أروح كافيه صغير قريب من بيتي كل يوم.

في أول مرة رحت فيها، شاب صغير قرب من ترابيزتي. مكنش عنده أكتر من 30 سنة.

قال لي:
— «معلش يا طنط، ينفع أقعد معاكي؟»

بصيت له كويس، وقلبي اتقبض فجأة…

كان شبه حسن جدًا وهو في سنه!

قلت له:
— «طبعًا يا ابني، اقعد.»

اسمه كان «كريم»، ومن يومها بقى عندنا روتين ثابت. كل يوم بالليل كان بييجي يقعد معايا على العشا، ونتكلم سوا لحد ما الشوربة تبرد قدامنا من غير ما ناخد بالنا.

كنت بحكيله عن حسن، وعن ولادنا وأحفادنا، وعن السنين اللي عشناها سوا. كنت بحكيله عن موته المفاجئ، وعن الإحساس الغريب اللي كان بيقتلني كل ما أصحى الصبح وملاقيش حسن نايم جنبي.

كريم كان بيسمعني باهتمام وصبر، لكن ساعات كنت ألاقي ملامحه بتتغير فجأة، ويقوم يستأذن ويروح الحمام من غير ما يقول لي السبب.

وجوده كان بيخليني أقدر أعدي أيام الحزن من غير ما أنهار تمامًا.

لكن كان فيه حاجة واحدة مقلقاني…

**كريم مكنش بيحكي لي أي حاجة عن نفسه.**

كان بيقول إنه يتيم، وإنه لسه منتقل يعيش في القاهرة من فترة قصيرة. وكل ما كنت أسأله عن حياته أو أهله، كان بيغير الموضوع بسرعة غريبة.

عدّى شهر كامل على أول مرة اتقابلنا فيها.

وفي إحدى الليالي، دخل كريم الكافيه وشكله كان شاحب بشكل خوّفني.

قعد قدامي، لكنه كان ساكت تمامًا.

حاولت أخليه يتكلم، لكنه مكنش بيرد. وكل شوية كان يبص ناحية الشنطة اللي حاططها جنبه.

ولما حاولت أبص جواها، شدها بسرعة بعيد عني.

سألته بهدوء:

— «مالك يا كريم؟ إيه اللي حصل؟»

رفع عينه وبص لي مباشرة، وبصوت حاد لأول مرة من يوم ما عرفته، قال:

— **«إنتِ بجد فاكرة إني بعمل كل ده من غير سبب؟»**

اتجمدت مكاني.

كمل وهو بيحاول يتحكم في صوته:

— **«أنا استنيت جوزك يموت عشان أقدر أقولك الحقيقة دي… رغم إنه هو نفسه ترجاني ما أقولهاش ليكي أبدًا.»**

كريم سكت شوية، وأنا حسيت إن قلبي هيقف من كتر الخوف.

قلت له:

— «حسن؟ إيه علاقة حسن بالموضوع؟ وإنت كنت تعرفه منين أصلًا؟»

كريم فتح الشنطة ببطء، وطلع منها ظرف بني قديم.

حطه قدامي وقال:

— «قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تقري ده.»

إيدي كانت بتترعش وأنا فتحت الظرف.

جواه كانت فيه صور قديمة، وخطابات، وورقة مكتوبة بخط حسن.

أول ما شفت خطه، عيني دمعت.

مسكت الورقة وبدأت أقرأ:

«مراتي حبيبتي، لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا مش موجود. وأرجوكي مهما كان اللي هتعرفيه، متحكميش عليا قبل ما تسمعي الحقيقة كاملة.»

وقفت عن القراءة.

بصيت لكريم وقلت:

— «إيه الكلام ده؟ حسن كان مخبي عني إيه؟»

كريم أخد نفس طويل وقال:

— «أنا ابنه.»

وقعت الورقة من إيدي.

بصيت له كأني مش فاهمة.

— «إيه؟»

قال:

— «أنا ابن حسن… بس مش ابنك.»

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

— «مستحيل… حسن عمره ما قال لي إن عنده ابن.»

هز كريم راسه وقال:

— «عشان هو نفسه مكنش عارف إني موجود إلا من سنين قليلة.»

قعد جنبي وبدأ يحكي.

قبل ما حسن يتجوزني بسنين، كان شاب صغير ولسه في بداية حياته. كان مرتبط ببنت اسمها «منى». حصل بينهم خلاف كبير، وانفصلوا، وبعدها حسن اتجوزني.

لكن منى كانت حامل.

ولأنها كانت خايفة من أهلها، سافرت من القاهرة للإسكندرية، وولدت طفلها هناك.

الطفل كان كريم.

منى ماتت بعد سنوات قليلة بسبب مرض مفاجئ، وكريم اتربى في دار رعاية، وبعدها خرج منها وهو في سن الشباب.

قال كريم:

— «من حوالي خمس سنين، بدأت أدور على والدي الحقيقي. كل الخيوط وصلتني لحسن.»

بصيت له وقلت:

— «ولما عرف إنك ابنه… عمل إيه؟»

ابتسم ابتسامة حزينة.

— «استقبلني.»

سكت شوية، وبعدين كمل:

— «في الأول كان مصدوم. وبعدها فضل يطلب مني أسامحه. قال لي إنه كان فاكر إن أمي تخلصت من الحمل، وإنها سافرت ومش عايزة تعرفه.»

— «وإنت سامحته؟»

— «آه.»

نزلت دموعي.

— «طب ليه مخبي عليا كل السنين دي؟»

كريم طلع صورة من الشنطة.

كانت صورة لي أنا وحسن، شكلنا فيها أصغر بكتير، وحسن كان بيضحك.

قال:

— «لأن حسن كان خايف يخسرك.»

وبعدين مد لي ورقة تانية.

— «دي أهم حاجة.»

فتحتها.

كان مكتوب فيها:

«كريم، أوصيك بمراتي. هي عمرها ما عرفت إن ليك وجود، ومش عايز تعرف بعد موتي بالطريقة اللي ممكن تكسر قلبها. لو أنا مت قبل ما أقدر أقولها، خليك قريب منها من غير ما تخوفها. ساعدها تعدي وحدتها. ولما تحس إنها مستعدة، قول لها الحقيقة.»

بصيت لكريم وأنا مش قادرة أتكلم.

فجأة فهمت كل حاجة.

كل ليلة كان بييجي يقعد معايا.

كل مرة كان بيسمعني وأنا بحكي عن حسن.

كل مرة كان بيتأثر ويدخل الحمام.

ماكنش بيشبه حسن بالصدفة.

كان ابنه.

قلت له:

— «طب ليه استنيت كل ده؟»

قال:

— «لأن أبويا طلب مني ما أقولكيش غير لما أحس إنك مستعدة.»

سألته:

— «وإنت كنت بتعمل إيه هنا كل يوم؟»

ابتسم والدموع في عينه.

— «كنت بنفذ وصيته.»

سكتنا فترة طويلة.

وبعدين قلت:

— «بس أنا فقدت جوزي… مش مستعدة أخسره مرة تانية.»

كريم قرب مني وقال:

— «إنتِ مش هتخسريه. أنا مش جاي آخد مكانه. أنا بس… ابنه.»

لأول مرة من يوم وفاة حسن، حضنت شخصًا من عيلته.

وكان الحضن غريبًا جدًا…

لأني كنت بحضن ابنه الذي لم أعرف بوجوده طوال 52 سنة.

بعدها بأسابيع، كريم بقى يزورني في البيت بدل الكافيه.

بدأ يحكي لي عن حسن في السنوات اللي كان بعيد فيها عني، وعن أول مرة قابله فيها، وعن الحاجات الصغيرة اللي كان بيحبها.

وفي يوم، سألته:

— «إنت كنت عايز مني إيه أصلًا؟ فلوس؟ ميراث؟»

ضحك كريم وقال:

— «ولا جنيه.»

— «أمال إيه؟»

طلع من جيبه مفتاح صغير وحطه قدامي.

— «أبويا سابهولي وقال لي إن ده آخر سر عنده.»

فتحنا مع بعض صندوق قديم كان حسن مخبيه في مخزن البيت.

جواه كانت صورنا القديمة، جواب أول حب كتبهولي، تذكرة أول سفرية عملناها سوا، وصورة لأول حفيد لينا.

وفي آخر الصندوق، لقيت جواب مكتوب عليه:

«لزوجتي الوحيدة… ولابني الذي تأخرت في معرفته.»

فتحت الجواب، وكانت آخر كلماته:

«أنا عشت عمري كله وأنا فاكر إن الحب لازم يكون كامل عشان يكون حقيقي. لكن في آخر أيامي فهمت إن العيلة مش دايمًا بتبدأ من الدم… ساعات بتبدأ من إن شخص يقرر يفضل جنبك وقت ما تكون محتاجه.»

فضلت أبكي وقتها.

مش عشان حسن مات بس…

لكن عشان فهمت إن الرجل اللي كنت فاكرة إني أعرفه بالكامل، كان شايل سرًا كبيرًا طول عمره، ومع ذلك فضل يحبني ويحافظ على بيتي.

بصيت لكريم وقلت:

— «حسن كان خايف إن الحقيقة تفرقنا.»

ابتسم وقال:

— «بس حصل العكس.»

ومن يومها، مبقتش أروح الكافيه لوحدي.

كل يوم جمعة، أنا وكريم كنا بنقعد على نفس الترابيزة اللي اتقابلنا عليها أول مرة.

وكان دايمًا بيطلب نفس الشوربة اللي كان حسن بيحبها.

وفي كل مرة كنا بنضحك ونحكي عن حسن.

بعد سنة من وفاته، كنت قاعدة في نفس المكان، وكريم قدامي.

بصيت للكرسي الفاضي اللي جنبي وقلت:

— «عارف؟ أنا كنت فاكرة إن بعد موت حسن، حياتي انتهت.»

قال:

— «وأنا كنت فاكر إني طول عمري هفضل من غير أب.»

مسكت إيده وقلت:

— «واضح إن حسن كان عارف إننا محتاجين بعض.»

ابتسم كريم.

ومن يومها، كل ما حد يسألني إزاي قدرت أخرج من حزني، بقول نفس الجملة:

«أنا خسرت جوزي… لكن اكتشفت ابنًا كنت أجهله، ووصية أخيرة جعلتني أجد عيلتي من جديد.»

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!