
أبويا سابني وأنا عندي 5 سنين، ومامتي هي اللي ربتني لوحدها.
الفلوس عمرها ما كانت مشكلة. هي أصلًا كانت من عيلة غنية، وكانت حريصة إني آخد كل حاجة تساعدني أنجح في حياتي.
مدارس خاصة. دروس بيانو. ومستقبل كانت مخططاله بدقة.
بس ولا حاجة من ده كانت بتحسسني إن حبها ليا من غير شروط.
بالنسبة لمامتي، أنا كنت استثمار، وكانت عارفة من زمان هي عايزاني أعيش إزاي بالظبط.
لحد ما وأنا عندي 27 سنة، عرّفتها على **آية**.
آية كانت أم عزباء بتربي ابنها **يوسف** اللي عنده 7 سنين، وبتشتغل بالليل في عيادة في القاهرة، وبتسوق عربية قديمة متهالكة.
أول ما مامتي شافتها، حكمت عليها فورًا وقالت إنها مش مناسبة ليا.
قالت ببرود:
“دي جاية ومعاها مسؤوليات ومشاكل. وإنت كده بترمي مستقبلك في الأرض!”
قولتلها إني هتجوز آية مهما حصل.
مامتي قامت من مكانها، وعدّلت الجاكيت بتاعها، وبصتلي في عيني وقالت:
“لو اتجوزتها، ماتطلبش مني أي حاجة تاني أبدًا. إنت اخترت الحياة دي.”
فأنا اخترتها.
أنا وآية نقلنا لشقة إيجار صغيرة في **مدينة نصر**.
مفيهاش أي فخامة.
بس الفواتير كانت بتتدفع، والتلاجة كانت مليانة، وبيتنا كان هادي ومليان راحة.
بعد كام شهر من الجواز، يوسف بدأ يناديني: “بابا”.
محدش طلب منه يعمل كده.
الموضوع حصل لوحده.
وبصراحة؟ أنا كنت مبسوط جدًا.
عدّت 3 سنين ومامتي وأنا مفيش بينا أي كلام.
لحد الأسبوع اللي فات، فجأة تليفوني رن.
كانت هي.
قالت:
“سمعت إن عندك… عيلة دلوقتي.”
وسكتت لحظة، وبعدين كملت:
“أنا موجودة في القاهرة. هعدي عليك بكرة. عايزة أشوف بنفسي إزاي دمرت حياتك.”
تاني يوم بعد الضهر، وصلت.
كانت لابسة شيك جدًا، بنفس نظرة الحكم والانتقاد اللي فاكرها كويس.
فتحتلها الباب ودخلتها.
دخلت البيت.
وبصت حواليها.
وبعدين تعبير وشها اتغير تمامًا.
مسكت في إطار الباب بإيدها، وهمست:
**”يا إلهي… إيه ده؟”**
مامتي فضلت واقفة مكانها ثواني، كأنها مش قادرة تستوعب اللي شايفاه.
أنا بصيت لها وقلت:
“إيه اللي حصل؟”
هي ما ردتش.
كانت بتبص على الشقة من أولها لآخرها.
بس اللي شد انتباهها أكتر كان الحيطة اللي قدامها.
عليها صور كتير.
صور ليا وآية يوم فرحنا.
صور ليوسف وهو صغير.
وصور لينا التلاتة في مناسبات مختلفة.
رحلة للإسكندرية.
يوم قضيناه في حديقة الأزهر.
وصورة كبيرة لينا وإحنا واقفين قدام البحر في بورسعيد.
وفي نص الصور، كانت فيه صورة ليوسف وهو في المدرسة، لابس هدوم المدرسة وماسك شهادة في إيده.
مامتي قربت منها.
وقرت المكتوب عليها.
“لأبويا اللي علّمني إن العيلة مش شرط تبدأ بالدم.”
وشها اتغير أكتر.
قالت بصوت واطي:
“هو… كاتب ده؟”
هزيت راسي.
“آه.”
سكتت.
وبعدين سألت:
“فين آية؟”
قولتلها:
“في المطبخ.”
قبل ما أكمل، آية خرجت وهي ماسكة طبق.
أول ما شافت مامتي، وقفت مكانها.
بصتلي.
وبعدين بصت لها.
مامتي قالت:
“إزيك يا آية؟”
آية ابتسمت ابتسامة متوترة وقالت:
“الحمد لله.”
مامتي بصت للطبق اللي في إيدها.
“إنتِ اللي عاملة الأكل ده؟”
آية ضحكت بخفة.
“آه.”
مامتي بصتلي وقالت:
“وإنت مبسوط؟”
السؤال كان غريب.
قولتلها:
“جداً.”
سكتت شوية، وبعدين قالت:
“أنا كنت فاكرة إنك هتعيش حياة صعبة.”
قولتلها:
“هي مش حياة مثالية.”
آية بصتلي.
فكملت:
“بس هي حياتي. وأنا اخترتها.”
مامتي قعدت على الكنبة لأول مرة من غير ما تقول حاجة.
بعد دقائق، يوسف دخل من باب الشقة.
كان راجع من المدرسة.
أول ما شافني، رمى الشنطة على الأرض وجري عليا.
“بابا!”
حضني بقوة.
أنا ضحكت وحضنته.
وبعدين لاحظ مامتي واقفة.
بص لها وقال:
“دي مين؟”
أنا اترددت لحظة.
قبل ما أرد، مامتي قالت:
“أنا جدتك.”
يوسف بصلي باستغراب.
“جدتي؟”
هزيت راسي.
“آه.”
قرب منها بحذر.
مامتي كانت بتبصله وكأنها أول مرة تشوف حفيدها.
قالت:
“إنت يوسف؟”
“آه.”
“عندك كام سنة؟”
“عشرة.”
ابتسمت لأول مرة من ساعة ما دخلت.
وقالت:
“كبرت.”
يوسف بصلي وبعدين بص لها.
“هو بابا حكالك عني؟”
مامتي اتجمدت.
وبصتلي.
أنا قولتلها:
“حكيتلك عنه كتير زمان.”
هزت راسها.
وبعدين يوسف قال بكل عفوية:
“أنا بحب بابا أوي.”
الكلمة نزلت على مامتي كأنها حاجة تقيلة.
قعدت ساكتة.
وبعدين سألت:
“وإنت بتحبه ليه؟”
يوسف رد فورًا:
“عشان هو دايمًا موجود.”
مامتي نزلت عينيها.
يوسف كمل:
“لما بخاف بييجيلي. لما بكون تعبان بياخدني للدكتور. لما المدرسة بتطلب حد، بيروح. ولما ماما بتكون تعبانة، بيساعدها.”
مامتي بصتلي.
ولأول مرة، مفيش غضب في عينيها.
كان فيه حاجة تانية.
يمكن ندم.
قالت:
“أنا… كنت فاهمة الدنيا غلط.”
أنا ما رديتش.
فقالت:
“كنت فاكرة إن الفلوس هي اللي بتعمل المستقبل.”
وبصت حوالين الشقة.
“بس واضح إني كنت غلطانة.”
آية كانت واقفة بعيد، ومش عارفة تتدخل ولا لأ.
مامتي قامت.
قربت منها.
ومدت إيدها.
وقالت:
“أنا ظلمتك.”
آية فضلت ساكتة لحظة.
وبعدين مدت إيدها وسلمت عليها.
مامتي بصت ليوسف.
وبعدين قالت:
“ممكن… أحضنك؟”
يوسف بصلي.
أنا ابتسمت.
فجري عليها وحضنها.
مامتي قفلت عينيها، وحضنته بقوة.
وبعد ثواني، بدأت تعيط.
يوسف بعد عنها وقال:
“إنتِ بتعيطي ليه؟”
مسحت دموعها وقالت:
“عشان ضيعت 3 سنين وأنا ممكن أكون جدتك.”
وبعدين بصتلي وقالت:
“وأكتر حاجة وجعاني… إني كنت فاكرة إنك ضيعت حياتك.”
سكتت.
وبصت للبيت.
لآية.
ليوسف.
وبعدين ليا.
وقالت:
“لكن لما دخلت هنا، فهمت إنك ما ضيعتش حياتك.”
وأخذت نفس طويل.
“إنت بنيت حياة أنا عمري ما عرفت أبني زيها.”
ثم اقتربت مني وقالت بصوت مكسور:
“أنا آسفة يا ابني.”
لأول مرة في حياتي، ما كنتش محتاج منها فلوس.
ولا بيت.
ولا عربية.
ولا أي حاجة.
كنت محتاج بس أسمع الجملة دي.
فحضنتها.
ومن فوق كتفها، شفت آية واقفة وبتبتسم.
ويوسف كان واقف جنبنا.
وفي اللحظة دي، فهمت إن أمي كانت عايزة تختارلي مستقبلي.
لكن أنا، لأول مرة، كنت عايش المستقبل اللي أنا اخترته بنفسي.

