
كان مراتي **كليوباترا** طول السنين بتلومني إني خلّفت لها خمس ولاد ومفيش ولا بنت — لكن لما أخيرًا ولدت البنت اللي كانت بتحلم بيها، ولما شالتها لأول مرة، رد فعلها صدمني.
مراتي كليوباترا كانت بتحلم يكون عندها بنت من قبل حتى ما نتجوز.
لما حملت لأول مرة، كانت فرحانة بشكل ما يتوصفش. كانت على طول بتتخيل كل حاجة هتعملها مع بنتها — هتسرّح لها شعرها، وتخرج معاها تشتروا هدوم، وتعيش معاها علاقة الأم ببنتها اللي كانت نفسها فيها من زمان.
لكن أول طفل جه للدنيا…
كان **ولد**.
كليوباترا حبته من أول لحظة شالته فيها، لكن برضه ما بطلتش تتمنى إن في يوم يبقى عندها بنت صغيرة.
بعد كام سنة، قررنا نكبر عيلتنا تاني.
وجالنا **ولد تاني**.
وبعده **ولد تالت**.
وبعده **ولد رابع**.
ولما ابننا الخامس اتولد، بيتنا بقى مليان دوشة وضحك وحب، لكن كنت شايف إن جوا كليوباترا لسه في حاجة ناقصة.
كانت بتحب ولادنا الخمسة جدًا، لكن كل ما حد من معارفنا يخلف بنت، كنت بشوف الإحباط في عينيها، حتى لو كانت بتحاول تخبيه.
كانت ساعات تهزر وتقول إن البيت بقى مليان رجالة، وإنها محتاجة بنت صغيرة تبقى في صفها.
وأحيانًا كانت توجه الهزار ليا أنا شخصيًا.
**”خمسة ولاد!”** كانت تقول وهي بتتنهد. **”أكيد الموضوع ده غلطتك إنت بطريقة ما.”**
ومع الوقت، كلامها بقى يبان أقل وأقل إنه هزار، لكني كنت بقول لنفسي إنها مرهقة، وإن سنين انتظارها لبنت هي اللي مخليّاها تتكلم كده.
وفي الآخر، اتفقنا إن خمسة أطفال كفاية.
لكن بعد سنتين، حصل حمل مفاجئ من غير ما نكون مخططين له.
ولما عرفنا إن المولودة **بنت**، كليوباترا انفجرت في العياط.
عمري ما شوفتها فرحانة بالشكل ده.
جهزت أوضة البيبي بنفسها، واختارت لها هدوم صغيرة، وفضلت تعد الأيام والساعات لحد ما تيجي اللحظة اللي أخيرًا هتشيل فيها بنتها اللي حلمت بيها سنين طويلة.
ولما بنتنا اتولدت، الممرضة حطتها في حضن كليوباترا.
كليوباترا فضلت تبص في وشها شوية…
وببطء، كل الفرحة والحماس اللي كنت شايفهم في عينيها طول شهور الحمل اختفوا.
وبعدين بصت لي بنظرة ما قدرتش أفهمها، وقالت كلمتين خلّوني مش قادر أصدق اللي سمعته.
بصتلي كليوباترا، ووشها كان متغير تمامًا، وقالت بصوت واطي:
“دي مش بنتي.”
في الأول افتكرت إني سمعتها غلط.
قربت منها وقلت:
“إيه؟ إنتِ بتقولي إيه؟”
فضلت باصة للبنت اللي في حضنها، وبعدها رفعت عينيها عليّا.
“أنا مش قادرة أحس إنها بنتي.”
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
الممرضة وقفت مكانها، والدكتورة بصت لنا باستغراب.
قلت لها:
“إنتِ مستنية بنت من سنين، ولما أخيرًا جات، بتقولي مش بنتك؟”
كليوباترا بدأت تعيط.
“أنا مش عارفة أشرحلك.”
قربت منها أكتر.
“حاولي.”
سكتت ثواني طويلة، وبعدين قالت:
“طول السنين اللي فاتت، كنت بلومك.”
“على إيه؟”
“على إنك بتجيبلي ولاد.”
بصت لها وأنا مش فاهم.
قالت:
“كنت مقتنعة إن المشكلة فيك. كل مرة أحمل، كنت بدعي تكون بنت. ولما أعرف إنه ولد، كنت بضحك قدامك وأقولك إنها غلطتك… بس جوايا كنت فعلًا بلومك.”
حاولت أتمالك أعصابي.
“بس إنتِ عارفة إن ده مش بإيدي.”
هزت راسها.
“دلوقتي عارفة.”
سألتها:
“طب إيه اللي حصل؟”
كليوباترا بصت تاني للبنت، ودموعها نزلت أكتر.
“لما شفتها… افتكرت حاجة.”
“إيه؟”
سكتت.
وبعدين قالت:
“افتكرت بنت.”
اتجمدت.
“بنت مين؟”
كليوباترا مسحت دموعها وقالت:
“أختي.”
أنا كنت عارف إن كليوباترا عندها أخت صغيرة اسمها سارة، لكنها ماتت وهي طفلة قبل ما نتجوز بسنين.
عمري ما كنت أعرف تفاصيل موتها، لأنها كانت دايمًا بتقفل الموضوع لما أفتحه.
قلت:
“سارة؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
وبدأت تحكي.
“لما كنت صغيرة، سارة كانت كل حياتي. كنت أكبر منها بخمس سنين، وكنت بعتبر نفسي مسؤولة عنها. كانت بتنام جنبي، وبتجري ورايا في كل حتة، وكنت بعمل لها شعرها وألبسها هدومي القديمة.”
ابتسمت وسط دموعها.
“كنت بحلم إنها تكبر ونفضل أصحاب.”
وبعدين صوتها اتغير.
“لكن سارة ماتت.”
سكتت لحظة.
“وماما كانت بتقول إن لو كان عندها بنت تانية، كانت هتنسى سارة. وأنا من يومها بقيت بخاف من حاجة واحدة.”
سألتها:
“إيه؟”
بصت للبنت في حضنها.
“إني أجيب بنت وأحبها… وأحس إنها بديلة عن سارة.”
فضلت ساكت.
قالت:
“طول السنين اللي فاتت، كنت فاكرة إني عايزة بنت عشان أعمل معاها كل الحاجات اللي كنت بحلم أعملها مع سارة. كنت عايزة أسرّح لها شعرها، أشتريلها هدوم، وأبقى صاحبتها.”
وبعدين بصتلي.
“لكن لما حطوها في حضني، بصيت في وشها وحسيت إني مش شايفاها هي.”
سألتها:
“شايفة مين؟”
همست:
“شايفة سارة.”
الممرضة قربت منها وقالت بهدوء:
“ممكن نديكي شوية وقت.”
لكن كليوباترا ضمت بنتنا لصدرها لأول مرة.
وقالت:
“أنا خايفة أظلمها.”
قعدت جنبها وقلت:
“إنتِ مش مطالبة تنسي سارة.”
بصتلي.
“ولا مطالبة تحبي بنتك بنفس الطريقة اللي كنتِ بتحبي بيها أختك.”
وبعدين لمست إيد البنت الصغيرة.
“دي مش سارة.”
كليوباترا بصت للبنت.
قلت:
“دي بنتك.”
فضلنا ساكتين.
وبعد لحظات، بنتنا حركت إيدها الصغيرة ومسكِت صباع كليوباترا.
كليوباترا شهقت.
وبعدين بدأت تعيط.
لكن المرة دي، عياطها كان مختلف.
قربتها من وشها وهمست:
“إنتِ مش سارة…”
وسكتت.
“إنتِ بنتي.”
وباست جبينها.
“وأنا آسفة إني أخدت سنين عشان أفهم الفرق.”
بعد يومين، رجعنا البيت.
ولأول مرة في حياتي، شفت كليوباترا مش بتعامل بنتنا على إنها “البنت اللي كانت نفسها فيها”.
كانت بتتعامل معاها كطفلة ليها شخصيتها.
كانت تختار لها اسمها بنفسها.
واختارت اسم مريم.
قالتلي:
“مش عايزاها تبقى حلم قديم اتحقق.”
“عايزاها تبقى مريم.”
ومريم كبرت وسط إخواتها الخمسة.
والحاجة الغريبة إن كليوباترا بعد فترة بدأت تضحك على نفسها لما تفتكر كلامها القديم.
مرة، ولادنا كانوا بيتخانقوا على مين هيلعب مع مريم، فضحكت وقالت:
“أنا كنت فاكرة إني محتاجة بنت عشان يبقى حد في صفي.”
بصيت لها وقلت:
“وطلعت؟”
ضحكت.
“طلعت محتاجة حد يخلّي الست رجالة دول يتحدوا كلهم ضدي!”
ضحكنا كلنا.
لكن بعد ما الأولاد دخلوا يناموا، كليوباترا قعدت جنبي وقالت:
“عارف أكتر حاجة ندمت عليها؟”
“إيه؟”
قالت:
“إني سنين كنت بلومك على حاجة مستحيل تكون بإيدك.”
مسكت إيدي.
“وكنت ناسية إن عندي خمسة أولاد ربنا رزقني بيهم، وكل واحد فيهم كان مستني أمه تحبه من غير ما يحس إنه أقل من بنت.”
الكلام ده وجعني.
لأني افتكرت مرات كتير كان واحد من ولادنا بيسألها:
“ماما، لو كنت بنت كنتِ هتحبيني أكتر؟”
وهي كانت دايمًا بتقول لأ.
لكن دلوقتي فهمت إن الأطفال ساعات بيحسوا بالحاجات اللي الكبار بيحاولوا يخفوها.
كليوباترا قالت:
“أنا مش هقدر أغير اللي فات.”
وبصت ناحية أوضة الأولاد.
“بس أقدر أصلحه.”
وفعلًا، من اليوم ده، اتغيرت.
بقت تقضي وقت أكتر مع ولادنا.
تروح مبارياتهم.
تحضر حفلات المدرسة.
تسمع حكاياتهم المملة.
وتضحك على هزارهم.
ومريم؟
كبرت وهي عارفة إنها مش “البنت اللي أخيرًا جت بعد خمس أولاد”.
كانت دايمًا تسمع أمها تقول:
“إنتِ مريم… مش أمنية اتحققت.”
وبعد سنين، في عيد ميلاد مريم السادس، سألتها:
“ماما، إنتِ كنتِ عايزة بنت من زمان؟”
كليوباترا ابتسمت وقالت:
“أيوه.”
مريم سألت:
“وعشان كده كنتِ فرحانة لما جيت؟”
كليوباترا سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
“أنا كنت فاكرة إني هكون فرحانة عشان أخيرًا جالي اللي كنت بحلم بيه.”
وضمتها.
“لكن الحقيقة؟ أنا بقيت فرحانة عشان إنتِ إنتِ.”
مريم ابتسمت.
وباستها.
وأنا كنت واقف بعيد بتفرج عليهم.
وقتها فهمت إن كليوباترا أخيرًا لقت الإجابة اللي كانت بتدور عليها طول حياتها.
هي ما كانتش محتاجة بنت.
كانت محتاجة تتعلم إن الحب مش بديل عن حد فقدناه…
وإن الطفل مش لازم يحقق حلمنا عشان نستحق نحبه.
وأكتر حاجة علّمتني إياها السنين دي كلها؟
إن أول مرة كليوباترا شالت مريم، كانت فعلًا مصدومة…
لكن مش لأن مريم كانت البنت اللي ما كانتش عايزاها.
كانت مصدومة لأنها اكتشفت إن البنت اللي حلمت بيها سنين ما كانتش هي الحاجة اللي كانت ناقصاها أصلًا.
تمت
