روايات

بابا لم يمت بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

كان عندي بنت عندها ٤ سنين، وفجأة أشارت على ودن مديري في الشغل وفضلت تقول: **«بابا هناك!»** — بس جوزي كان متوفي، ولما بصيت كويس، ما صدقتش اللي كانت بتشاور عليه.

مديري، **الحاج هارون**، كان دايمًا راجل طيب ومحترم معايا. عيلتنا كانت تعرفه بقالها حوالي عشر سنين، وكان هو وجوزي **أحمد** أصحاب قريبين جدًا.

لكن من سنة، أحمد مات. السرطان أخده مني، وسبني لوحدي مع بنتنا الصغيرة **ملك**، اللي كان عندها وقتها ٤ سنين.

الحاج هارون كان دايمًا واقف جنبي. كان ساعات يعدّي علينا مخصوص يجيب لنا طلبات البيت، أو يقعد شوية مع ملك، أو يساعدني في أي حاجة محتاجة تتعمل في البيت.

كنت ممتنة له جدًا، وعمره ما حسسني إني لوحدي.

امبارح، الشركة عملت حفلة كبيرة عند بيت الحاج هارون، وكان عامل حفلة عند حمام السباحة في بيته. ولأني ماكانش عندي حد أسيب ملك معاه، قالي إني أجيبها معايا عادي.

بيته كان فخم جدًا، وكل الناس لابسة شيك. رجالة ببدل، وستات بفساتين أنيقة، والحفلة كلها كانت راقية جدًا.

ملك طبعًا ماعرفتش تقعد مكانها. فضلت تجري في كل حتة، وأنا كنت بحاول ألحقها وأهديها.

وفجأة، الحاج هارون ضحك وشالها بين إيديه.

جريت عليه بسرعة وقلت:

“أنا آسفة جدًا يا حاج هارون، ملك بتتحرك كتير ومش عارفة تقعد.”

لكن فجأة، ملك سكتت تمامًا.

وبصّت في ودن الحاج هارون وهي لسه بين إيديه.

وبعدين قالت بمنتهى الهدوء:

**”ماما… بابا هناك.”**

وش الحاج هارون اتغير فجأة، وكأنه شاف شبح.

ونزل ملك من على إيده بسرعة وحطها على الأرض.

ملك عيط وقالت:

**”ماما، بس بابا هناك! بصّي! لازم تنقذيه!”**

وشي احمر من الإحراج.

فضلت أعتذر للحاج هارون وأحاول أسكت ملك وأهديها.

الحاج هارون نفسه بعد عنها ومشي كام خطوة.

وبعد ما قدرت أخلي ملك تهدى، قررت أروح للحاج هارون وأعتذر له مرة تانية.

لقيته واقف وظهره ليا، وبيتكلم مع شريكه في البيزنس.

كنت هقعد مستنية لحد ما يخلصوا كلامهم، لكن فجأة عيني وقعت على **ودن الحاج هارون**.

كلام ملك فضل يلف في دماغي:

**”بابا هناك.”**

في الأول، ما لاحظتش أي حاجة.

لكن في اللحظة دي، واحدة من كشافات الإضاءة وقعت على ودنه بزاوية معينة…

وفجأة…

**فهمت ملك كانت بتشاور على إيه.**

كان فيه **حاجة ورا ودن الحاج هارون**…

حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي.

قربت خطوة، وبصيت كويس…

وبمجرد ما شفتها، حسيت إن رجلي مش شايلاني.

**”يا نهار أبيض… إزاي ده ممكن يحصل؟!”**

صر-خت من غير ما أحس:

“يا نهار أبيض… إزاي ده ممكن يحصل؟!”

الحاج هارون لفّ بسرعة ناحيتي، وشريكه استغرب وبصلي بتوتر.

“في إيه؟!” سأل الحاج هارون.

أنا ما رديتش.

فضلت باصة على المنطقة اللي ورا ودنه، وقلبي بيخبط بعنف.

كان فيه **ندبة صغيرة جدًا** تحت أذنه، شبه الهلال، وحواليها علامة داكنة.

الندبة دي أنا شفتها قبل كده.

مش مرة.

ولا مرتين.

أنا شفتها مئات المرات.

كانت العلامة اللي أحمد، جوزي، كان عنده زيها بالضبط.

لكن ده مش كل شيء.

لما الحاج هارون رفع إيده ولمس ودنه، شفت جزء صغير من الجلد وراها يتحرك بطريقة غريبة، كأنه بيغطي حاجة تحت الجلد.

قربت منه أكتر.

“ممكن… ممكن توريني ودنك؟”

وشه اتجمد.

“ليه؟”

صوتي بدأ يرتعش.

“عشان ملك شافت حاجة.”

الحاج هارون بص لملك، وبعدين بصلي.

“ملك عندها أربع سنين. ممكن تكون لخبطت بيني وبين والدها.”

هززت رأسي.

“لا.”

سكت لحظة، وبعدين قلت:

“أحمد كان عنده علامة ورا ودنه اليمين.”

ملامحه اتغيرت فورًا.

شريكه قال باستغراب:

“أحمد؟”

الحاج هارون بصله بنظرة خلت الراجل يسكت.

وبعدين قال لي:

“تعالي معايا.”

دخلنا غرفة جانبية بعيدًا عن صوت الحفلة.

أول ما الباب اتقفل، الحاج هارون وقف قدامي، وسكت فترة طويلة.

ثم قال:

“إنتِ لازم تعرفي الحقيقة.”

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

“حقيقة إيه؟”

رفع إيده ببطء، ومسك الجلد خلف أذنه.

وشد شيئًا صغيرًا كان ملتصقًا بالجلد.

وسقط أمام عيني شيء صغير جدًا على الأرض.

**لاصق طبي.**

وتحته ظهرت الندبة.

نفس شكل الندبة اللي كان عند أحمد.

نفس المكان.

نفس الشكل.

صرخت:

“إنت مين؟!”

الحاج هارون غمض عينيه.

وبصوت مكسور قال:

“أنا مش هارون.”

تراجعت خطوة.

“أمال مين؟”

رفع عينيه ليا وقال:

“أنا أحمد.”

حسيت إن نفسي اتقطع.

ضحكت ضحكة عصبية.

“أحمد مات.”

“أنا عارف.”

“أنا حضرت دفن جوزي!”

“عارف.”

“الأطباء قالوا إنه مات.”

“عارف.”

صرخت:

“إزاي تكون أحمد؟!”

فضل ساكت.

ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.

كانت صورة ليا أنا وأحمد وملك وهي رضيعة.

لكن الغريب إن الصورة كانت مقصوصة من المنتصف.

مد إيده بالصورة وقال:

“فاكرة اليوم ده؟”

بصيت للصورة.

“طبعًا.”

“أنتِ كنتِ لابسة الفستان الأزرق.”

اتجمدت.

“وأحمد كان لابس قميص أبيض.”

هز رأسه.

“وفي اليوم ده، ملك كانت بتعيط عشان مش عايزة تتصور.”

بدأت دموعي تنزل.

“أحمد كان هو الوحيد اللي يعرف حاجة حصلت بعد الصورة.”

قرب مني وقال:

“قبل ما نتصور بدقيقة، ملك وقعت في حمام السباحة، وأنا نطيت أنقذها. وبعدها إنتِ قلتيلي جملة عمرك ما قلتيها لحد غيري.”

همست:

“قلتلك… إنت أبوها، ولو حصل لي حاجة، أو حصل لها حاجة، ما تسيبهاش.”

هز رأسه.

“بالضبط.”

رجلي ما شالتنيش.

وقعدت على الكرسي.

“بس إنت ليه عملت كده؟ ليه خليتني أعيش سنة كاملة وأنا فاكرة إنك ميت؟”

وشه امتلأ بالألم.

“لأن اللي حصل ماكانش حادث.”

رفعت عيني بسرعة.

“يعني إيه؟”

قال:

“السرطان كان حقيقي. لكن قبل وفاتي بأيام، اكتشفت إن حد كان بيحاول يقتلني.”

سألته:

“مين؟”

بص ناحية الباب.

“شخص قريب منك.”

قلبي وقف.

“مين؟”

وقبل ما يجاوب، سمعنا صوت خبط شديد على الباب.

الحاج هارون… أو أحمد… اتجمد مكانه.

ثم جاء صوت رجل من الخارج:

“يا هارون! افتح الباب!”

أحمد بصلي وقال:

“هو وصل.”

“مين؟”

همس:

“أخويا.”

فتحت عيني بدهشة.

“أحمد ماكانش عنده أخ.”

رد بصوت منخفض:

“كان عنده.”

ثم أضاف:

“لكن العيلة كلها كانت فاكرة إنه مات من سنين.”

خبط الباب مرة تانية.

أحمد مسك إيدي وقال:

“ملك هي السبب إن الحقيقة ظهرت الليلة.”

في اللحظة نفسها، جاءت ملك من خلف الباب، وحطت إيدها على المقبض.

وقالت بهدوء:

“بابا… الراجل ده وحش.”

بصيت لأحمد.

ثم للباب.

وفجأة فهمت إن موت أحمد لم يكن النهاية.

كان مجرد بداية.

وبعد ثوانٍ، انفتح الباب.

والرجل الواقف أمامنا كان يحمل نفس الندبة الموجودة خلف أذن أحمد.

لكن عنده ندبة أخرى…

**على رقبته.**

وعندما رأيتها، تذكرت شيئًا أخطر من كل شيء.

كنت قد رأيت تلك الندبة من قبل.

في المستشفى.

يوم وفاة أحمد.

كان الرجل الذي يقف أمامي الآن هو نفسه الرجل الذي وقّع على شهادة وفاته.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!