
مراتي كانت بتلومني سنين إني خلّفت لها 5 ولاد ومخلفتش لها بنت واحدة — لكن لما أخيرًا ولدت البنت اللي كانت نفسها فيها طول عمرها، ومسكتها لأول مرة، رد فعلها صدمني.
مراتي **سارة** كانت بتحلم يبقى عندها بنت من قبل حتى ما نتجوز.
لما حملت لأول مرة، كانت فرحانة بشكل مش طبيعي. من أول لحظة بدأت تتخيل كل حاجة كانت هتعملها مع بنتها — تسرّح لها شعرها، تنزل معاها تشتري هدوم، وتعيش معاها علاقة الأم والبنت اللي كانت نفسها فيها طول عمرها.
لكن أول ما خلفنا طفلنا الأول…
طلع **ولد**.
سارة حبته من أول لحظة شالته فيها بين إيديها، لكن عمر أملها ما اختفى إنها في يوم من الأيام تخلف بنت.
بعد كام سنة، قررنا نكبر عيلتنا ونخلف طفل تاني.
وجِه طفل تاني…
**ولد.**
وبعده ولد تالت.
وبعدين رابع.
ولما جه ابننا الخامس، بيتنا كان مليان دوشة وضحك وحب، لكن كنت شايف في عيني سارة إن لسه في حاجة ناقصة.
هي كانت بتحب ولادنا من كل قلبها، بس كل ما حد نعرفه يخلف بنت، كنت بلاحظ الإحباط اللي بتحاول تخبيه.
كانت ساعات تهزر وتقول إن البيت بقى كله رجالة، وإنها محتاجة بنت صغيرة تبقى في صفها.
وساعات الهزار ده كان بيبقى موجه ليا أنا.
كانت تبصلي وتقول:
“خمسة ولاد يا **أحمد**! أكيد الغلط منك بطريقة ما.”
في الأول كنت بضحك وأعدّيها، لكن مع الوقت كلامها بدأ يبقى تقيل، وحسيته بقى أقل شبه الهزار.
كنت بقول لنفسي إنها مرهقة، وإن سنين انتظارها لبنت هي اللي مخلياها تتكلم كده.
في الآخر، اتفقنا إن خمسة أطفال كفاية.
لكن بعد سنتين، سارة حملت فجأة ومن غير ما نكون مخططين.
ولما عرفنا إن الجنين **بنت**…
انفجرت في العياط من الفرحة.
عمري ما شوفتها مبسوطة بالشكل ده.
جهزت أوضة البيبي، واختارت لها الهدوم الصغيرة واحدة واحدة، وقعدت تعد الأيام والساعات لحد ما تقدر أخيرًا تشيل بنتها اللي حلمت بيها سنين.
وفي يوم الولادة، في المستشفى في **القاهرة**، ولدت بنتنا أخيرًا.
الممرضة شالت البيبي وحطتها بين إيدين سارة.
سارة فضلت تبص في وشها…
وببطء، كل الفرحة والحماس اللي شفتهم في عينيها طول الشهور اللي فاتت اختفوا.
وبعدين رفعت عينيها وبصتلي بنظرة معرفتش أفهمها.
ولما نطقت أخيرًا…
**الكلام اللي قالته خلاني أتجمد مكاني.**
“أحمد…”
صوت سارة كان واطي ومرتعش.
قربت منها وأنا مش فاهم إيه اللي حصل.
قلت لها:
“مالك يا سارة؟ إنتِ كويسة؟”
لكنها ما ردتش عليا على طول.
فضلت تبص للبنت اللي بين إيديها، وبعدين بصتلي تاني.
وقالت:
“دي مش بنتنا.”
حسيت إن وداني مش قادرة تستوعب اللي سمعته.
قلت لها وأنا بحاول أضحك:
“إيه اللي إنتِ بتقوليه؟ دي بنتنا طبعًا. الممرضة لسه حطاها في إيدك.”
هزت راسها بسرعة.
“لأ… مش قصدي كده.”
بصت للبنت تاني، ووشها بدأ يشحب.
“أنا شفت العلامة دي قبل كده.”
قربت منها أكتر.
“أنهي علامة؟”
سارة رفعت إيد البيبي الصغيرة، وكشفت عن كتفها.
كان فيه شكل صغير على جلدها… شبه هلال صغير لونه بني فاتح.
أول ما شوفته، افتكرت إن سارة يمكن تكون تعبانة من الولادة أو متوترة.
قلت:
“دي علامة ولادة يا سارة. عادي.”
لكنها بدأت تعيط.
وقالت:
“أنا عارفة إنها علامة ولادة… بس أنا شفتها قبل كده.”
سكت.
“فين؟”
سارة بصتلي، وقالت:
“على بنت أختي.”
اتصدمت.
“بنت أختك؟”
هزت راسها.
“أيوه… بنت أختي اللي ماتت.”
سكتنا إحنا الاتنين.
أنا كنت فاكر إن الموضوع مجرد صدمة بعد الولادة، لكن سارة بدأت تتكلم بسرعة.
“أحمد، أنا عمري ما حكيتلك كل حاجة عن أختي.”
“إنتِ أختك ماتت وهي عندها كام سنة؟”
“كانت لسه مولودة.”
بدأت أحس بقشعريرة في جسمي.
سارة مسحت دموعها وقالت:
“أختي كانت حامل قبل ما تتجوز، وكانت بتخبي الحمل عن العيلة. ولما ولدت، البيبي ماتت بعد ساعات.”
“طيب وإيه علاقة ده ببنتنا؟”
سارة بلعت ريقها.
“كان اسمها **مريم**.”
بصيت للبنت.
“ومريم دي كان عندها علامة شبه دي؟”
سارة هزت راسها.
“مش شبهها… نفس العلامة بالظبط.”
في اللحظة دي، دخلت الممرضة علشان تطمن على البيبي.
سارة مسكت إيدها وقالت:
“لو سمحتي… ممكن أعرف اسم الدكتور اللي تابع الولادة؟”
الممرضة استغربت.
“الدكتور محمد.”
سارة قالت:
“عايزة أشوفه.”
بعد حوالي عشر دقايق، دخل الدكتور الأوضة.
سارة بصتله وقالت:
“دكتور، ممكن أسألك سؤال؟”
“طبعًا.”
“البنت دي اتعمل لها أي فحوصات بعد الولادة؟”
الدكتور ابتسم.
“طبعًا، كل الإجراءات الطبيعية اتعملت.”
سارة قربت منه وقالت:
“هي اتولدت بوزن كام؟”
“حوالي 3 كيلو و200 جرام.”
سارة بدأت تهز راسها.
“لا… ده مش اللي مكتوب عندي.”
الدكتور عقد حواجبه.
“تقصدِ إيه؟”
سارة مدت إيدها ناحية شنطتها وطلعت ورقة قديمة كانت محتفظة بيها.
حطتها قدام الدكتور.
“دي صورة من شهادة ميلاد بنت أختي.”
الدكتور بص للورقة، وبعدها بص للبيبي.
وبعدين اتغيرت ملامحه تمامًا.
قال:
“استني…”
قرب من البيبي وبص على العلامة الموجودة على كتفها.
وبص لسارة.
“مين قالك إن بنت أختك ماتت؟”
سارة اتجمدت.
“إيه؟”
الدكتور قال:
“أنا سألتك مين قالك إنها ماتت؟”
سارة بصتلي، وبعدين قالت:
“أمي.”
الدكتور سكت لحظات.
وبعدين قال:
“يبقى لازم تكلمي والدتك حالًا.”
طلعت سارة تليفونها بإيد بتترعش.
اتصلت بوالدتها.
ردت بعد كام رنة.
سارة قالت:
“ماما… أنا ولدت بنت.”
صوت أمها جه من الناحية التانية:
“الحمد لله يا بنتي… ربنا يخليهالك.”
سارة قالت:
“ماما، فاكرة مريم؟”
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.
سارة قربت التليفون من ودنها أكتر.
“ماما؟”
وبعد ثواني، سمعت صوت أمها وهي بتقول:
“إنتِ عرفتي إزاي؟”
سارة بصتلي.
“عرفت إيه؟”
أمها بدأت تعيط.
وقالت:
“مريم ما ماتتش.”
سارة شهقت.
وأنا حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
أمها كملت:
“أبوكِ هو اللي قالنا إنها ماتت… لكن الحقيقة إنها اتاخدت من المستشفى بعد الولادة.”
سارة وقعت على الكرسي وهي بتبكي.
“اتاخدت؟ مين خدها؟”
أمها قالت:
“أبوكِ.”
سارة بصتلي، ودموعها نازلة.
وفي اللحظة دي، فهمت إن البنت اللي كانت سارة بتحلم بيها طول حياتها…
ممكن تكون مش مجرد بنتنا.
ممكن تكون الإجابة على سر عيلتها اللي اتدفن من أكتر من ثلاثين سنة.
لكن قبل ما سارة تقدر تسأل أي سؤال تاني، أمها قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
“يا سارة… أبوكي ما كانش لوحده.”
“كان معاه حد من المستشفى.”
“والممرضة اللي ساعدته وقتها… هي نفسها الممرضة اللي ولدتك النهارده.”
