روايات

الفستان اللي رجع بعد 20 سنة بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

من عشرين سنة، بنتي الوحيدة تريزة ماتت وهي عندها ستاشر سنة، قبل حفلة التخرج بتاعتها بيوم واحد.

كانت خرجت مع 3 من زمايلها في المدرسة في رحلة للمشي في الجبل، عشان يحتفلوا بنهاية السنة الدراسية. وهما راجعين بالعربية، حصل انهيار طيني مفاجئ، وجرف العربية ناحية ترعة غارقة بالمية.

اتنين من المراهقين قدروا يخرجوا عايشين.

وتاني يوم الصبح، لقوا جثة واحدة.

لكن جثة تريزة… ما اتلاقتش أبداً.

اللواء اللي كان مسؤول عن البحث قال لي إن التيار الشديد غالبًا شالها بعيد.

بعد أسبوعين من البحث، أعلنوا رسميًا إن بنتي ماتت.

دفنت تابوت فاضي.

أصعب حاجة ما كانتش تجهيز الجنازة.

أصعب حاجة كانت إني رجعت البيت بعدها، ولقيت فستان حفلة التخرج بتاعها لسه معلق على باب أوضتها.

كنا قضينا ست شهور بندور على الفستان ده سوا.

دخلنا محلات كتير في القاهرة، وجربت تريزة تقريبًا أربعين فستان، لحد ما خرجت من غرفة القياس وهي بتلف حوالين نفسها بفستان أزرق فاتح، متزين بصفوف من اللؤلؤ الصغير اللي معمول بإيد.

ضحكت وقالت لي:

— “ده هو يا ماما… ده اللي أنا عايزاه. أوعديني إنك هتحتفظي بيه على طول.”

ووعدتها.

سنين طويلة، ما كنتش حتى قادرة أفتح باب أوضتها من غير ما أنهار.

كل عيد ميلاد، وكل عيد، وكل ربيع لما موسم حفلات التخرج يبدأ، كنت ألاقي نفسي واقفة عند باب أوضتها، ببص على الفستان، وبسأل نفسي كانت هتبقى عاملة إزاي وهي لابساه.

بعد حوالي أربع سنين، بدأت أروح لمعالجة نفسية.

قالت لي إن التعافي أحيانًا معناه إن الإنسان يسيب الحاجات اللي بتخليه عايش جوه أسوأ يوم في حياته.

خدت مني وقت طويل عشان أقدر أعمل كده.

وفي يوم، طلعت الفستان وحطيته بعناية في صندوق تبرعات.

مسكت القماش، وبوسته للمرة الأخيرة، وهمست:

— “وداعًا… للحياة اللي بنتي ما لحقتش تعيشها.”

ومكنتش أتخيل أبدًا إني هشوف الفستان ده تاني.

لحد يوم الخميس اللي فات.

جرس البيت رن بعد الضهر.

فتحت الباب، لقيت ست تقريبًا في الأربعين من عمرها واقفة قدامي.

كانت بتبتسم بتوتر.

قالت:

— “معلش إني جيت من غير ميعاد… بس أنا أعتقد إن ده بتاع حضرتك.”

كانت لابسة فستان أزرق فاتح.

في الأول افتكرت إنه مجرد فستان شبهه.

لكن بعدها عيني وقعت على كتف الفستان.

صف اللؤلؤ الصغير… كان فيه لؤلؤتين مش متساويين.

نفس المكان.

نفس الشكل.

نفس الغلطة.

أنا اللي خيطتهم بإيدي بعد ما تريزة علقت الفستان في سوستة غرفة القياس.

مستحيل يكون فيه فستان تاني في الدنيا بنفس الإصلاح ده.

إيدي بدأت ترتعش.

رفعت عيني من على كتف الفستان ببطء…

ولما شفت وش الست قدامي، حسيت إن الدنيا كلها وقفت.

ملامحها…

عينيها…

ابتسامتها…

كل حاجة فيها كانت مألوفة بشكل مرعب.

فضلت باصة لها وأنا مش قادرة أتكلم.

هي قربت خطوة، وقالت بصوت مكسور:

— “ماما…”

وقتها ركبي ما شالتنيش.

لأن كل اللي قضيته عشرين سنة وأنا ببكي عليه…

كان مبني على كذبة مرعبة.

وقعت على الكرسي اللي كان موجود جنب باب الشقة، وأنا مش قادرة آخد نفسي.

فضلت أبص لها كأني خايفة لو رمشت تختفي.

— “إنتِ مين؟”

الست بدأت تعيط.

وقالت:

— “أنا تريزة.”

هزيت راسي بعنف.

— “لأ… لأ، مستحيل. بنتي ماتت من عشرين سنة.”

قالت وهي بتشهق:

— “أنا عارفة.”

— “لا، إنتِ مش فاهمة! بنتي كانت عندها ستاشر سنة!”

سكتت شوية، وبعدين قالت:

— “أنا دلوقتي عندي ستة وتلاتين سنة.”

الكلام نزل عليّ كأنه صدمة.

قعدت قدامي، وحطت إيديها على ركبتها.

— “أنا مش جاية أطلب منك تصدقيني من غير دليل.”

طلعت من شنطتها ظرف بني قديم.

مدتهولي.

إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.

جواه كانت صورة قديمة جدًا.

صورة لتريزة وهي صغيرة، قاعدة على رجلي، وأنا بضحك وراها.

وفي ضهر الصورة، بخط إيدي، كنت كاتبة:

“تريزة، 5 سنين — أول يوم في المدرسة.”

بصيت لها.

قالت:

— “أنا أخدتها من أوضتك قبل ما أخرج من البيت آخر مرة.”

قلبي وقف.

— “إنتِ… إنتِ فاكرة آخر مرة خرجتي فيها؟”

هزت راسها.

— “فاكرة كل حاجة.”

وبدأت تحكي.

بعد الحادث، العربية اتقلبت في الترعة.

هي خرجت من الشباك، لكن التيار كان قوي جدًا.

خبطت دماغها في صخرة وفقدت الوعي.

لما فاقت، كانت في قرية صغيرة في الصعيد.

راجل كبير كان لاقاها مرمية جنب الترعة، وأخدها بيته.

كانت فاقدة الذاكرة.

ما كانتش فاكرة اسمها.

ولا أهلها.

ولا عنوان بيتها.

ولا حتى المدينة اللي جاية منها.

الراجل ومراته اعتبروها بنتهم، وفضلوا سنين يحاولوا يعرفوا هي مين.

لكن مفيش أي ورق كان معاها.

— “طيب ليه ما عرفوش يدوروا عليا؟”

سكتت.

وبعدين قالت:

— “لأنهم ماتوا بعد كام سنة.”

حسيت بدموعي بتنزل.

— “وإنتِ؟”

— “كبرت هناك. اتجوزت وخلفت. حياتي كملت… بس كان دايمًا جوايا إحساس إن في حاجة ناقصة.”

وبعد حوالي عشرين سنة، حصل حادث بسيط.

كانت بتشوف صور قديمة عند واحدة من قرايبها، وفجأة شافت صورة لفستان أزرق.

الفستان كان ظاهر في صورة قديمة من حفلة عائلية.

مش فاكرة ليه، لكن أول ما شافته، بدأ ييجي لها وميض من الذكريات.

غرفة.

مراية.

أنا.

وهي بتلف بالفستان.

وصوتي وأنا بقول:

— “يا بنتي بالراحة هتقعي!”

بدأت تدور.

وبعد شهور من البحث، وصلت لجمعية كانت بتوثق التبرعات القديمة.

هناك عرفت إن فستان أزرق من وصفه اتبرع بيه من عشرين سنة من ست اسمها…

نادية.

اسمي.

قالت:

— “لما لقيت الاسم، فضلت يومين مش عارفة أعمل إيه.”

— “وبعدين؟”

— “عرفت عنوانك.”

بصيت للفستان.

— “إنتِ جبتيه إزاي؟”

ابتسمت وسط دموعها.

— “الفستان كان عند بنت ست اسمها هالة. كانت اشترته من محل ملابس مستعملة من سنين. لما حكيت لها حكايتي، ادتهولي.”

مديت إيدي ولمست خدها.

كنت خايفة.

خايفة ألمسها فتطلع مش حقيقية.

لكنها مسكت إيدي وحطتها على خدها.

— “أنا آسفة يا ماما.”

انفجرت في العياط.

ضميتها بكل قوتي.

لأول مرة من عشرين سنة، حضنت بنتي.

كانت أكبر مني تقريبًا في الإحساس، لكن في اللحظة دي رجعت بالنسبة لي نفس البنت الصغيرة اللي كانت بتجري في البيت.

فضلنا نبكي وقت طويل.

وبعدها سألتها السؤال اللي كان بيقتلني:

— “إنتِ ليه ما رجعتيش قبل كده؟”

قالت:

— “لأني ما كنتش عارفة إني ليّا بيت أرجع له.”

الجملة دي كسرتني.

في الأيام اللي بعدها، عملنا تحاليل DNA.

كنت عايزة أصدق.

لكن جزء صغير جوايا كان خايف.

بعد أسبوع، جت النتيجة.

تريزة هي بنتي فعلًا.

قعدت أبص للورقة وأنا بعيط.

بعد عشرين سنة، البنت اللي دفنتها في تابوت فاضي كانت قاعدة قدامي.

لكن القصة ما كانتش خلصت.

كان لازم نعرف إيه اللي حصل يوم الحادث بالضبط.

وبمساعدة الشرطة، فتحوا ملف الحادث القديم من جديد.

اتضح إن فيه حاجة غريبة جدًا.

واحد من الناجين، اللي كان عمره وقتها سبعتاشر سنة، كان قال في التحقيق إن تريزة غرقت قدامه.

لكن لما واجهوه بالتفاصيل الجديدة، اعترف إنه ما شافش تريزة وهي بتغرق أصلًا.

كان مرعوب.

ولما خرج من العربية، كان فاكر إنها ماتت.

لكن الأخطر من كده…

إن العربية اتسحبت من مكان الحادث قبل ما فريق الإنقاذ يقدر يفحصها بالكامل.

واتضح إن فيه شخص مجهول كان موجود في المكان وقتها، وشاف تريزة وهي عايشة.

الشخص ده هو اللي نقلها بعيد عن مكان الحادث.

لكن ليه؟

لحد النهارده ما عرفناش الحقيقة كاملة.

الشرطة رجحت إن الراجل كان خايف يتورط في الحادث، خصوصًا إنه كان بيشتغل في المنطقة من غير أوراق قانونية، فهرب بدل ما يبلغ.

أما تريزة، فتيار المية أخدها بعيد، والراجل لقاها بعد ساعات.

وبكده ضاعت كل فرصة إنها ترجع لي.

عشرين سنة كاملة.

عشرين سنة وأنا عايشة على قبر فاضي.

وتريزة كانت عايشة في مكان ما، من غير ما تعرف مين أمها.

بعدها بشهور، بدأت تريزة تزورني كل يوم جمعة.

كانت بتحكي لي عن حياتها.

عن جوزها.

عن ولادها.

وعن كل السنين اللي فاتت.

وأنا كنت بحاول أعرف البنت اللي ضاعت مني، وأحب الست اللي رجعت لي.

في يوم، كانت قاعدة قدامي في نفس الأوضة اللي كانت أوضتها زمان.

بصت للفستان المعلق وقالت:

— “فاكرة وعدك.”

ضحكت وأنا بعيط.

— “إيه؟”

— “قولتيلي هتحتفظي بيه للأبد.”

بصيت للفستان.

وقلت:

— “أنا احتفظت بيه فعلًا.”

ضحكت.

— “بس أنا كنت فاكرة إنك هتحتفظي بيه في الدولاب.”

هزيت راسي.

— “أنا افتكرت إن لازم أسيبه عشان أقدر أكمل حياتي.”

مسكت إيدي.

— “يمكن كان لازم تسيبيه عشان يرجعلك.”

ومن يومها، الفستان ما بقاش مجرد ذكرى مؤلمة.

بقى الدليل الوحيد على إن بعض الحكايات ممكن تضيع عشرين سنة…

لكنها ما تنتهيش.

وفي عيد ميلاد تريزة السابع والثلاثين، عملنا حفلة صغيرة في البيت.

ما كانش فيها موسيقى عالية.

ولا ناس كتير.

بس كانت عيلتنا كلها موجودة.

وفي نص الحفلة، تريزة راحت أوضتها.

بعد دقائق رجعت.

كانت لابسة الفستان الأزرق.

نفس الفستان اللي كان المفروض تلبسه وهي عندها ستاشر سنة.

وقفت قدامي ولفت حوالين نفسها.

وبنفس الضحكة القديمة قالت:

— “إيه رأيك يا ماما؟”

بصيت لها ودموعي نزلت.

وقلت:

— “اتأخرتي شوية.”

ضحكت.

— “آسفة.”

قربت منها وحضنتها.

— “المهم إنك جيتي.”

وبينما كانت العيلة كلها بتضحك وتصورنا، بصيت للفستان مرة أخيرة.

اللؤلؤتين اللي كنت خيطاهم بإيدي من عشرين سنة كانوا لسه مكانهم.

لكن المرة دي…

ما كنتش ببص عليهم وأنا بودّع بنتي.

كنت ببص عليهم وأنا شايفة بنتي واقفة قدامي.

وبعد عشرين سنة من الحزن، فهمت أخيرًا إن بعض الوداعات…

ما بتكونش وداعًا.

بتكون مجرد انتظار طويل جدًا للّقاء.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!