
بعد عشر سنين من الإجها-ضات، أخيرًا ربنا رزقنا ببنتنا المعجزة — بس لما الممرضة سلّمتها لجوزي، وشّه اصفر فجأة، وبص على الوحمة اللي على كتفها، وهمس: «لأ… مستحيل».
أنا وجوزي كريم قضينا سنين جوازنا كلها وإحنا بنحاول نكوّن أسرة. على مدار العشر سنين اللي فاتوا، مرينا بـ6 تجارب إجهاض مؤلمة. كل مرة كانت بتاخد مننا جزء، ولما عرفنا إني حامل تاني السنة اللي فاتت، كنا اتفقنا في هدوء إن دي هتكون آخر محاولة لينا.
وبسبب اللي مرينا بيه، الـ9 شهور الأخيرة كانوا مليانين خوف وقلق. حتى أوضة البيبي بالكاد جهزناها، وكنا خايفين نفرح أو نعلّق آمالنا على حاجة ممكن تضيع مننا تاني.
لكن بشكل أشبه بالمعجزة، الحمل عدى على خير وكل حاجة كانت ماشية كويس.
ولما بدأ عندي الطلق أخيرًا صباح امبارح، كريم كان واقف جنبي طول الوقت، بيساندني وبيحاول يهون عليا الساعات الطويلة والمرهقة.
وبعد نص الليل بشوية، بنتنا وصلت للدنيا أخيرًا.
أول ما سمعت صوت عياطها العالي والصحي، حسيت براحة عمرها ما دخلت قلبي قبل كده. ممرضة الأطفال أخدتها وحطتها على جهاز التدفئة، ونضفتها وعملت لها الفحوصات المعتادة، وهي بتبتسم وبتقول لنا إن عندنا بنت سليمة وزي الفل.
بعد كام دقيقة، الممرضة لفتها في بطانية دافية، وسابت كتف صغير منها ظاهر، ومشيت ناحية كريم.
كان فيه دموع في عينيه وهو بيمد إيده، وبهدوء شديد شال بنته لأول مرة بين دراعاته.
أنا كنت متمددة على السرير وسندة ضهري على المخدات، وببتسم وأنا مستنية اللحظة الجميلة اللي هيحصل فيها أول تواصل بين الأب وبنته.
لكن أول ما كريم بص لتحت عليها، ملامحه اتغيرت تمامًا.
ابتسامته اختفت.
ولون وشه اختفى فجأة.
عينيه اتثبتت على وحمة صغيرة وواضحة موجودة على كتف بنتنا اللي كان ظاهر من تحت البطانية.
فضل واقف مكانه من غير ما يتحرك، ونَفَسه بقى قصير ومتقطع.
وبصوت واطي مليان صدمة، همس:
«لأ… مستحيل.»
كريم فضل واقف مكانه كأنه اتجمد، وعينيه ما كانتش بتتحرك من على الوحمة.
أنا ابتسامتي اختفت، وحاولت أرفع نفسي من على السرير.
«كريم؟ إيه اللي حصل؟»
ما ردش.
قربت الممرضة منه وقالت بلطف:
«حضرتك كويس؟»
كريم بص لها، وبعدها بص لي، وكان واضح إنه بيحاول يستوعب حاجة أكبر من قدرته على الكلام.
مد إيده ناحية كتف بنتنا، لكن إيده وقفت في الهوا قبل ما تلمس الوحمة.
«العلامة دي…»
بلع ريقه بصعوبة.
«أنا شوفتها قبل كده.»
قلبي دق بسرعة.
«شوفتها فين؟»
كريم ما ردش على طول. فضل يبص لبنتنا، وبعدين قال بصوت مبحوح:
«في مستشفى في القاهرة… من حوالي 12 سنة.»
حسيت بقشعريرة في جسمي.
«يعني إيه؟»
الممرضة بصت لنا باستغراب، وبعدها قالت:
«الوحمة دي مش حاجة غريبة. ممكن تكون علامة ولادة طبيعية جدًا.»
لكن كريم هز راسه.
«مش الوحمة بس.»
بص لي مباشرة.
«شكلها… ومكانها بالظبط… نفس العلامة.»
«علامة مين؟»
كريم قعد على الكرسي جنب السرير، وحط إيده على وشه.
ولأول مرة من يوم ما عرفته، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
«أنا لازم أحكيلك حاجة.»
قلبي بدأ يخبط بعنف.
«احكي.»
أخد نفس طويل وقال:
«قبل ما نتجوز، حصلت حاجة عمري ما حكيتها لك.»
سكت لحظة، وكأنه بيحاول يختار كلماته.
«من حوالي 12 سنة، كنت شغال متطوع في مستشفى أطفال في القاهرة. في ليلة، حصلت حادثة كبيرة، واتنقلت للمستشفى ست حامل كانت حالتها خطيرة جدًا.»
أنا بصيت له من غير ما أتكلم.
«الدكاترة حاولوا ينقذوها، لكن…»
صوته اتكسر.
«الست ماتت أثناء الولادة.»
حسيت إن أطرافي بردت.
«والطفلة؟»
كريم رفع عينيه لي.
«الطفلة عاشت.»
سكت.
وبعدين قال:
«وكان على كتفها نفس الوحمة.»
نظرت لبنتنا.
وبعدين رجعت بصيت له.
«إنت بتقول إيه يا كريم؟»
قام بسرعة واتجه ناحية الباب.
«أنا لازم أتأكد من حاجة.»
مسكت دراعه.
«تتأكد من إيه؟»
بص لي بعينين مليانين خوف.
«اسم الست دي كان… سارة.»
سارة.
الاسم وقع على ودني كأنه جاي من مكان بعيد.
«وإيه علاقتها ببنتنا؟»
كريم ما ردش.
لكن قبل ما يخرج من الأوضة، الممرضة دخلت بسرعة وهي ماسكة ملف صغير.
«معلش، دكتور الأطفال طلب الملف ده.»
ناولته لكريم.
كريم فتحه، وعينه وقعت على أول صفحة.
وفجأة وشه اتغير.
«يا نهار أبيض…»
خطف الملف من إيده تقريبًا.
«إيه؟»
مديت إيدي ناحية الورق.
لكن كريم شد الملف لصدره.
«إنتِ لازم تعرفي الحقيقة… بس مش هنا.»
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت الممرضة من ورا الباب:
«دكتور، في حاجة غريبة جدًا في بيانات الطفلة.»
كريم لف ناحيتها.
«إيه؟»
الممرضة بصت في الورقة، وبعدين قالت:
«الرقم الطبي المسجل على سوار الطفلة… موجود بالفعل في سجلات المستشفى من 12 سنة.»
سكتت لحظة.
وبعدين همست:
«بس مستحيل يكون لنفس الطفل.»
أنا بصيت لبنتي.
وكريم بص لي.
وفجأة فهمنا إن اللي حصل مش مجرد صدفة.
