روايات

الوشم بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

بنتي عندها 16 سنة. دخلت من باب المطبخ الساعة 9:40 مساءً يوم التلات، وإيدها الشمال ملفوفة من عند الكوع لحد إيديها ببلاستيك شفاف وشاش.

قالت:
“قبل ما أي حد يقول حاجة، أوعدوني إنكم مش هتزعلوا مني غير لما تشوفوا النتيجة.”

بصيتلها بقلق وقلت:
“يا ريتام، إنتِ عملتي إيه؟”

قالت:
“لازم تستنوا 3 أيام. لازم تفضل متغطية لحد ما تِخف.”

جوزي أحمد قام من على الكرسي بسرعة لدرجة إن الكرسي وقع وراه. كان عايز يعرف اسم المكان اللي عملت فيه الحاجة دي.

وكان عايز الإيصال كمان. لكنها ما ادتوش لا ده ولا ده.

هي كانت دافعة من فلوسها هي — 340 دولار، كل اللي كانت موفراه من وهي عندها 14 سنة، صرفتهم في يوم واحد.

وبعدين طلعت أوضتها وقفلت الباب.

لازم تفهموا التلات أيام دول كانوا عاملين إزاي في بيتنا.

أمي كانت لسه متوفية من أقل من أسبوعين. فاتورة دار العزاء كانت لسه متعلقة على التلاجة تحت مغناطيس على شكل ليمونة، ولسه ما دفعناهاش.

ساعات شغل أحمد كانت اتخفضت من شهر يناير.

وأنا كنت بنام أربع ساعات بس كل ليلة، وكل ساعة من اللي بفضل فيها صاحي كنت بقضيها وأنا بحسب الفلوس والمصاريف في دماغي.

وفوق كل ده، بنتي اللي عندها 16 سنة عملت حاجة دائمة في نص دراعها، ومش راضية تقول لنا إيه هي.

في اليوم الأول، أحمد كان عايز يتصل بالشرطة ويبلغ عن المكان اللي عملت فيه الحاجة دي.

في اليوم التاني، قال إنها مش هتخرج من البيت لحد شهر سبتمبر.

وفي اليوم التالت، بطل يتكلم معاها خالص.

وأنا قلت أسوأ جملة ممكن أم تقولها لابنها.

قلت لها:
“إنتِ عندك فكرة إحنا بنمر بإيه دلوقتي؟”

“عمرك فكرتي في حد غير نفسك؟”

هي ما عيطتش.

حتى في عزاء جدتها ما عيطتش ولا مرة.

أحمد قال إن دي طبيعة ريتام، وإنها دايمًا كده.

وقت الفطار، يوسف — عنده أربع سنين — سأل ليه إيد ريتام متغطية.

فقالت له:
“عشان أنا وعدت.”

مساء الخميس، نزلت ريتام الصالة وقعدت على طرف الكنبة.

أحمد عمل كتم للتلفزيون.

قالت:
“خلاص… هي خِفّت.”

وحطت دراعها على ترابيزة الصالون، وبدأت تفك طرف الشريط اللاصق واحدة واحدة.

وبصت لنا وقالت:

“بصوا عليها الأول… قبل ما تقولوا أي حاجة.”

“أرجوكم.”

وببطء، شالت آخر طبقة من الشاش.

أنا حسيت إن نفسي اتقطع.

أحمد قرب من الترابيزة، وبص لدراعها من غير ما ينطق.

كان فيه وشم كبير مرسوم على طول دراعها.

بس ماكانش وشم عادي.

كان بورتريه لست كبيرة في السن، مرسوم بتفاصيل دقيقة جدًا، لدرجة إن ملامحها كانت واضحة بشكل يخض.

وشعرها الأبيض، ابتسامتها الهادية، وحتى التجعيدة الصغيرة اللي كانت جنب عينها اليمين.

عرفناها في نفس اللحظة.

كانت أمي.

جدتها.

أحمد رجع خطوة لورا.

“إيه ده؟”

ريتام بصتله وقالت:

“جدتي.”

قلت وأنا مش قادرة أصدق:

“إنتِ عملتي وشم لجدتك؟”

هزت راسها.

“أيوه.”

أحمد انفجر:

“إنتِ صرفتي 340 دولار على وشم؟! وإنتِ عارفة إحنا حالتنا عاملة إزاي؟!”

ريتام ما ردتش.

فضلت ساكتة وهي بتبص على دراعها.

وبعدين قالت بهدوء:

“أنا عارفة.”

“وعارفة إن الفلوس كتير.”

“وعارفة إنكم كنتوا هتزعلوا.”

سكتت لحظة، وبعدين كملت:

“بس دي مش كل الحكاية.”

بصيتلها.

“أمال إيه؟”

مدت إيدها ناحية دراعها ولفته شوية.

ساعتها لاحظنا حاجة ماكناش شايفينها من الأول.

تحت صورة أمي كان فيه كلام صغير جدًا.

قربت من دراعها علشان أقرأ.

كان مكتوب:

“أوعى تسيبي إخواتك لوحدهم.”

أنا بصيتلها باستغراب.

“مين قالك الجملة دي؟”

ريتام بلعت ريقها.

“جدتي.”

أحمد قال:

“إمتى؟”

قالت:

“قبل ما تموت بيومين.”

الصالة كلها سكتت.

وبعدين ريتام بدأت تحكي.

قالت إن قبل وفاة أمي بأسبوع تقريبًا، كانت راحت تزورها في المستشفى لوحدها.

أمي وقتها كانت تعبانة جدًا.

لكنها طلبت من ريتام إنها تقفل باب الأوضة وتقعد جنبها.

وقالت لها:

“أنا مش عايزة أخوفك.”

“بس لو حصل لي حاجة…”

ريتام قالت إنها قاطعتها وقالت لها:

“مفيش حاجة هتحصل يا تيتة.”

أمي ابتسمت وقالت:

“اسمعيني بس.”

وبعدين قالت لها إنها كانت مخبية مبلغ من الفلوس في حساب توفير قديم باسمها.

مش مبلغ ضخم.

لكن مبلغ يكفي يساعدنا فترة لو حصلت حاجة.

وقالت لريتام إن الفلوس دي لازم تروح لمصاريف البيت، مش لمصاريف الجنازة، ومش لأي حد تاني.

ريتام قالت إنها سألتها:

“ليه بتقوليلي أنا؟”

فأمي ردت:

“عشان إنتِ الكبيرة.”

“وعشان إنتِ أكتر واحدة شايفة اللي بيحصل.”

وبعدين مسكت إيدها وقالت:

“لو أنا مشيت، خدي بالك من مامتك.”

“وخدي بالك من إخواتك.”

“بس أوعي تشيلي مسؤولية أكبر من سنك.”

ريتام قالت إن أمي كانت عارفة إن مرضها ممكن يسوء فجأة.

وفي آخر الكلام، قالت لها:

“ولو سألوكي الفلوس راحت فين، قولي لهم إن جدتك سابتها ليكم.”

ريتام كانت بتعيط وقتها.

وقالت لها:

“بس إنتِ بنفسك قولي لهم.”

أمي ضحكت.

وقالت:

“يا بنتي، أنا مش هفضل معاكم للأبد.”

بعدها بيومين، أمي دخلت المستشفى.

وبعد أقل من أسبوع ماتت.

ريتام قالت إنها فضلت محتفظة بالكلام ده لنفسها.

لكن بعد الوفاة، اكتشفت إن أمي فعلًا كانت فاتحة حساب توفير باسمهـا، وإن فيه مبلغ موجود.

وهنا أحمد قاطعها:

“استني.”

“إنتِ عرفتي منين الحساب ده؟”

ريتام طلعت ظرف صغير من جيبها.

حطته قدامنا على الترابيزة.

“ده من البنك.”

فتحته.

جواه ورقة رسمية.

وكان فيه فعلًا حساب باسم أمي، والمبلغ موجود.

أنا بدأت أعيط.

لكن ريتام كملت:

“أنا ما صرفتش فلوسكم.”

“أنا صرفت فلوسي أنا.”

“الـ340 دولار اللي كنت موفراهم من سنتين.”

أحمد بص لها.

“ليه؟”

قالت:

“عشان كنت عايزة آخر حاجة تعملها جدتي عشاني تكون إنها تفضل معايا.”

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!