روايات

الكرسي بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

بعد ما ست متعالية استولت على كراسي حمام السباحة اللي بنتي عندها ٨ سنين وأنا حاجزينها، ورمت الفوط بتاعتنا في الزبالة، الكارما لحقتها بعد ٢٠ دقيقة بس.

بنتي **مريم** عندها ٨ سنين، وكانت مخلصة آخر جلسة كيماوي من ١١ يوم بس.

شعرها وقع كله، وقضت عيد ميلادها الحقيقي وهي متوصلة بمحلول في المستشفى، بدل ما تكون في مدينة الملاهي اللي كانت نفسها تروحها بقالها سنة.

ولما دكتور الأورام أخيرًا قال لنا:
“كده خلصنا… لحد دلوقتي.”

أول طلب لمريم ماكانش لعبة ولا حفلة.

قالتلي بصوت واطي أوي:
“بابا… أنا بس عايزة أروح مكان فيه حمام سباحة، وأبقى زي أي بنت عادية.”

في نفس اليوم، حجزت لنا يومين في منتجع في **العين السخنة**، على بُعد حوالي ساعة من القاهرة.

قبل ما نروح بيوم، حجزنا كراسي الاستراحة بتاعتنا، بالظبط زي ما إدارة المنتجع كانت موصية. حطينا الفوط على الكراسي وثبتناها، وكتبنا رقم الأوضة على التاجات، في المكان اللي الموظفين قالولنا نسيبها فيه.

روحنا نجيب عصاير سموزي.

اختفينا عشر دقايق، يمكن ربع ساعة بالكتير.

ولما رجعنا، لقينا الكراسي بتاعتنا اتاخدت.

ست لابسة مايوه غالي جدًا كانت متمددة على واحد منهم، ونضارتها الشمس محطوطة فوق شعرها المصفف بعناية، وجوزها أو صاحبها قاعد جنبها بيقلب في موبايله.

أما فوطنا، فكانت مرمية في سلة الزبالة اللي جنب حمام السباحة.

قربت منها وقلت بهدوء:

“لو سمحتي، دي الكراسي اللي إحنا حاجزينها.”

هي حتى ماكلفتش نفسها ترفع عينيها.

وقالت ببرود:

“محجوزة ولا مش محجوزة، ده مايفرقش. لو مش قاعدين عليها، يبقى أي حد من حقه يقعد.”

قلت لها:

“إحنا غبنا عشر دقايق بس…”

ردت من غير حتى ما تبصلي:

“مش مشكلتي.”

وبعدين بصت لمريم.

بصت على راسها الصلعاء، ودراعاتها الرفيعة، ولسه أسورة المستشفى في إيدها، لأنها ماكنتش حتى شالتها لحد دلوقتي.

وبعدين وشها اتغير بطريقة فيها قرف واضح، وقالت:

“بصراحة… يمكن الأفضل تروحوا مكان يكون أنسب ليكم شوية.”

حسيت بحرارة بتجري في جسمي كله.

غضب شديد لدرجة إني ماكنتش عارف أطلعه في كلام.

بصيت لمريم، وبعدها من غير ما أقول كلمة، طلعت فوطنا من الزبالة.

أخدت بنتي وروحنا قعدنا على كرسيين عاديين بعيد شوية.

كنت بحاول بكل طاقتي أنقذ اللي باقي من أول يوم حلو لمريم من شهور.

بعد حوالي عشرين دقيقة، لفت نظري راجل لابس تيشيرت عليه لوجو المنتجع.

بصلي وغمزلي، وبعدها مشي ناحية الست اللي أخدت كراسيّنا، وهو ماسك علبة زرقا في إيده.

وقف جنبها وقال بأدب:

“لو سمحتي يا فندم… حضرتك في الحقيقة الضيفة رقم ٥٠٠ اللي سجلت دخولها عندنا الأسبوع ده. وعشان كده عندنا هدية بسيطة لحضرتك.”

وش الست نور في لحظة.

قعدت مستقيمة أكتر، ومدت إيدها ناحية العلبة وكأنها كانت مستنية الهدية دي أصلًا.

فتحت العلبة.

وفي اللحظة دي…

طلعت منها صرخة مدوية لدرجة إن كل اللي موجودين حوالين حمام السباحة اتجمدوا في مكانهم.

بصيت ناحية مريم بسرعة، لقيتها حاطة إيديها على ودانها من شدة الصرخة.

الست كانت واقفة جنب الكرسي، ماسكة العلبة بإيد بتترعش، ووشها اتحول من الفرحة للصدمة.

“إيه ده؟!”

صرخت وهي بتبص جوه العلبة.

الراجل بتاع المنتجع فضل واقف بهدوء، وقال:

“دي الهدية يا فندم.”

الست طلعت منها حاجة صغيرة، وكانت عبارة عن ساعة ذكية فاخرة، ومعاها كارت مكتوب عليه:

“مبروك! حضرتك الفائزة بجائزة الضيف رقم ٥٠٠.”

بدأت تبتسم تاني، وقالت:

“آه… طبعًا! أنا كنت عارفة إن فيه حاجة كبيرة مستنياني.”

لكن الراجل قاطعها بهدوء:

“بس قبل ما تستلمي الجائزة، محتاجين نتأكد من حاجة بسيطة.”

قطبت حواجبها.

“حاجة إيه؟”

أشار للكرسي اللي كانت قاعدة عليه.

“الكرسي ده كان محجوز باسم غرفة تانية.”

وشها اتغير.

“إحنا اتكلمنا في الموضوع ده خلاص.”

قال:

“لا يا فندم، إحنا لسه ما اتكلمناش.”

وبعدين أشار لزميله اللي كان واقف بعيد، فالموظف التاني جه ومعاه تابلت.

“الكاميرات سجلت حضرتك وإنتِ بترمي الفوط في الزبالة.”

الست شهقت.

“إنت بتصورني؟!”

رد الموظف:

“الكاميرات موجودة في منطقة حمام السباحة لأسباب أمنية.”

وبعدين فتح الفيديو على التابلت.

ظهر المشهد قدامها.

هي وهي بتشيل الفوط.

هي وهي بترميها في الزبالة.

وهي وهي بتقعد على الكرسي.

وبعدين ظهر المشهد اللي أنا كنت فيه واقف قدامها وبطلب منها تقوم.

الموظف قال:

“والأهم إن الفوط دي كانت تخص طفلة مقيمة عندنا.”

بصت ناحيتنا.

مريم كانت قاعدة جنبي وساكتة.

قال:

“والطفلة دي خرجت من علاج طويل جدًا، وكانت النهارده أول مرة تيجي فيها تستمتع بحمام السباحة بعد فترة صعبة.”

الست بدأت تتوتر.

“أنا… ماكنتش أعرف.”

الراجل بص لها وقال:

“حضرتك ماكنتيش محتاجة تعرفي.”

سكت لحظة، وبعدين كمل:

“كان كفاية تعرفي إن الكرسي محجوز.”

وشها احمر.

أما الراجل اللي كان معاها، فكان ساكت تمامًا.

وفجأة قال:

“أنا مش عايز أكمل اليوم ده.”

قام ومشي ناحية البوابة.

الست جريت وراه:

“استنى! رايح فين؟!”

لكنه ما ردش.

الموظف رجع بص لي، وقال:

“إحنا آسفين جدًا بالنيابة عن إدارة المنتجع.”

قلت له:

“أنا مش عايز حاجة لنفسي.”

وبصيت لمريم.

“أنا بس عايز بنتي تقضي يوم كويس.”

ابتسم الموظف وقال:

“وده اللي هيحصل.”

وبعد أقل من عشر دقايق، جه مدير المنتجع بنفسه.

اعتذر لمريم قبل ما يعتذر لي.

وقال لها:

“إحنا عايزين نعوضك عن اللي حصل.”

مريم بصتله وقالت:

“ممكن بس أفضل هنا؟”

الراجل ابتسم.

“طبعًا.”

وبعدين قال:

“مش بس هنا.”

خدنا غرفة خاصة في الجزء الهادئ من المنتجع، ومعاها دخول مجاني لكل الأنشطة، وطلبوا لمريم كل الأكل اللي كانت نفسها فيه.

أما الست؟

إدارة المنتجع ألغت إقامتها فورًا، وطلبت منها تغادر المكان بسبب مخالفة قواعد الحجز والتعامل غير اللائق مع طفلة.

قبل ما تمشي، عدت من جنبنا.

وقفت لحظة.

بصت لمريم، وبعدين قالت بصوت واطي:

“أنا… آسفة.”

مريم بصت لها ثواني.

وبعدين قالت بكل براءة:

“خلاص.”

الست مشيت.

ومريم رجعت تبص لحمام السباحة.

وبعدين سألتني:

“بابا؟”

“نعم يا حبيبتي؟”

ابتسمت وقالت:

“ممكن أنزل الميه دلوقتي؟”

ضحكت لأول مرة من قلبي من شهور.

وقلت لها:

“طبعًا.”

نزلت مريم الميه، وفضلت تضحك وتجري وتلعب زي أي طفلة عندها ٨ سنين.

وقفت بعيد وأنا بتفرج عليها.

بعد كل اللي عدينا بيه، كان منظرها وهي بتضحك أهم من أي كرسي، وأي منتجع، وأي هدية.

وفي اللحظة دي فهمت حاجة واحدة:

أحيانًا أحسن رد على القسو-ة إنك ما تسمحش لها تسر-ق منك اللحظة الحلوة.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!