
أنا راجل عندي 30 سنة، ومرحلة الثانوية كانت من أصعب الفترات في حياتي بسبب التنمر المستمر من بنت كانت تقريبًا ملكة المدرسة.
ماكنتش من الولاد المشهورين خالص.
بالعكس، كنت الولد الهادي اللي بيحاول يهرب من نظرات الناس.
بس للأسف، ده ماكانش بيمنع الناس من إنها تلاحظني.
كنت طويل، حركتي مش متناسقة شوية، وثقتي في نفسي كانت شبه معدومة.
كان فيه ناس بتتريق عليا، وناس تضحك معايا.
لكن أسوأ واحدة فيهم كانت البنت اللي الكل بيحبها.
**ملكة حفلة التخرج.**
كانت جميلة، واثقة من نفسها، ودايمًا محط أنظار الكل.
المدرسين كانوا بيحبوها، والولاد كلهم عايزين يقربوا منها، والبنات نفسهم كانوا بيتمنوا يبقوا أصحابها.
ورغم كل ده، كانت بتلاقي وقت مخصوص علشان تقلل مني وتحرجني قدام الناس.
مع الوقت، بطلت أحاول أندمج مع زمايلي.
وقررت أركز في دراستي.
طالما أنا بقيت هدف سهل للتريقة، يبقى على الأقل أضمن مستقبلي.
وفعلًا، تعبي جاب نتيجة.
قدرت أدخل الجامعة اللي كنت بحلم بيها، وسافرت من بلدنا في الدقهلية، وبدأت حياة جديدة بعيد عن كل الناس اللي كنت أعرفهم.
هناك، غيرت حاجات كتير في حياتي.
بدأت آكل أحسن، وأروح الجيم، واهتم بصحتي، وبنيت لنفسي شغل كويس، واتعرفت على أصحاب بجد، مش مجرد ناس بتحبني علشان شكلي أو مركزي.
وبعد فترة، لأول مرة في حياتي، بقيت ببص لنفسي في المراية وأحب الشخص اللي بشوفه.
عدت 12 سنة.
وفي يوم وأنا راجع من شغلي في القاهرة، قعدت بالليل أقلب في تطبيق تيندر.
وفجأة…
اتجمدت مكاني.
**هي كانت قدامي.**
ملكة حفلة التخرج.
فضلت أبص على صورتها فترة طويلة.
طبعًا كانت كبرت واتغير شكلها شوية، لكن مافيش شك إنها هي.
بدافع الفضول، عملت لها إعجاب.
وبعد ثواني، الشاشة ظهرت عليها الجملة:
**”حصل تطابق!”**
ضحكت لوحدي.
والأغرب إنها هي اللي بدأت الكلام الأول.
اتكلمنا شوية رسايل، وسرعان ما اكتشفت إنها ماعرفتنيش خالص.
ولا صورتي، ولا اسمي، ولا أي حاجة في البروفايل خلتها تفتكرني.
لأول مرة من أيام الثانوية، حسيت إن أنا اللي مسيطر على الموقف.
لما اقترحت إننا نتقابل، وافقت.
واتقابلنا في كافيه في مصر الجديدة.
المقابلة كانت بشكل غير متوقع… بل بالعكس، كانت ماشية كويس جدًا.
كانت بتضحك على كلامي، وبتسألني عن شغلي، وعن حياتي، وقالت لي:
— حاسّة إني أعرفك من زمان.
للحظة، بدأت أفكر إن يمكن فعلًا الناس بتتغير.
يمكن السنين علمتها حاجة.
يمكن البنت اللي كانت بتجرحني زمان ما بقتش نفس الشخص.
لكن بعدها بدقايق، قالت جملة واحدة رجعتني بالزمن 12 سنة كاملة…
رجعتني لنفس المدرسة.
لنفس الممرات.
لنفس الضحكات.
ولنفس البنت اللي كانت بتستمتع إنها تقلل مني قدام الناس.
فضلت مبتسم.
استنيتها تخلص كلامها.
وبعدين عملت الحاجة الوحيدة اللي كنت طول عمري مانع نفسي منها.
فضلت مبتسم، واستنيتها تخلص كلامها.
وبعدين عملت الحاجة الوحيدة اللي كنت طول عمري مانع نفسي منها…
قررت أواجهها بالحقيقة.
بصيت لها وقلت بهدوء:
— على فكرة… إنتِ تعرفيني كويس.
ضحكت باستغراب وقالت:
— إحنا اتقابلنا قبل كده؟
هزيت راسي.
— أيوه. من حوالي 12 سنة.
فضلت تبص لي، وبعدين ابتسامتها اختفت تدريجيًا.
— مش فاهمة.
قلت:
— مدرسة المنصورة الثانوية. سنة التخرج. فاكرة الولد الطويل اللي كنتِ دايمًا بتتريقي عليه قدام زمايله؟
سكتت.
وشها اتغير تمامًا.
بدأت تبص لي من فوق لتحت، وكأنها بتحاول تجمع أجزاء صورة قديمة اختفت من ذاكرتها.
وبعدين قالت بصوت منخفض:
— مستحيل…
ابتسمت وقلت:
— أيوه، أنا هو.
فضلت ساكتة لثواني طويلة.
ثم قالت:
— إنت… أحمد؟
— أيوه.
حطت إيدها على بوقها، وبانت على وشها علامات الصدمة.
— أنا ماعرفتكش خالص.
قلت لها:
— عارف.
سكتنا شوية.
ثم قالت:
— بس أنا مش فاهمة… إنت ليه ماقولتش من أول ما اتكلمنا؟
رديت:
— لأن المرة دي، أنا كنت عايز أعرف إنتِ شايفة مين. مش الولد اللي كنتِ بتشوفيه زمان.
بدأت تدافع عن نفسها.
— أحمد، إحنا كنا أطفال. أنا كنت صغيرة ومتهورة.
بصيت لها وقلت:
— عارفة إيه المشكلة؟ إنك لحد النهارده بتعملي نفس الحاجة.
اتوترت وقالت:
— قصدك إيه؟
قلت:
— نفس الأسلوب. نفس التعليقات. نفس الطريقة اللي بتخليكي تحسي إنك أحسن من اللي حواليكي.
سكتت.
ثم بدأت تفتكر اللي قالته قبل دقائق.
كانت قد قالت عن أحد العاملين في الكافيه إنه “شكله مقرف”، وسخرت من بنت كانت قاعدة لوحدها بسبب ملابسها، ثم علقت على رجل كبير في السن وقالت إنه “كان المفروض يقعد في البيت بدل ما يخرج”.
وقتها فهمت.
هي ما اتغيرتش.
بس أنا اتغيرت.
قلت لها:
— عشان كده كنت محتاج أقابلك. مش علشان أنتقم منك، ولا علشان أذلك.
قالت:
— أمال ليه؟
قلت:
— علشان أشوف هل السنين غيرتك ولا لأ.
بصت للأرض.
وبعد لحظات قالت:
— وأنا خيبت ظنك.
رديت بهدوء:
— للأسف، أيوه.
وقفت، ودفعت حسابي.
قبل ما أمشي، قالت:
— أحمد… استنى.
وقفت.
قالت وهي بتحاول تمنع دموعها:
— أنا عارفة إني كنت وحشة معاك.
ما رديتش.
كملت:
— وأنا فاكرة مواقف كتير دلوقتي. فاكرة إني كنت بضحك عليك قدام الناس. وفاكرة مرة خليت البنات يضحكوا عليك بسبب هدومك. وفاكرة يوم حفلة التخرج…
ابتسمت ابتسامة حزينة.
— إنتِ فاكرة أكتر مما كنت متخيل.
قالت:
— أنا آسفة.
كان زمان نفسي أسمع الكلمة دي.
سنين وأنا بتخيل اللحظة اللي هتعتذر فيها.
لكن الغريب إن لما سمعتها أخيرًا…
ماحسيتش بالانتصار.
حسيت إني خلصت.
قلت لها:
— أنا مسامحك.
رفعت عينيها لي.
— بجد؟
— أيوه. بس المسامحة مش معناها إننا لازم نرجع لبعض أو نبقى أصحاب.
هزت راسها.
— فاهمة.
مشيت من الكافيه وأنا حاسس لأول مرة إن الماضي فعلًا بقى ورايا.
بعد كام يوم، لقيت رسالة منها على تيندر.
كانت طويلة.
قالت فيها إنها بدأت تفكر في تصرفاتها القديمة، وإنها لأول مرة فهمت قد إيه كانت بتأذي الناس لمجرد إنها كانت حاسة إنها أقوى منهم.
وقالت لي إنها ماكانتوش بتكرهني أنا شخصيًا…
هي كانت بتحب إحساس إنها تقدر تخلي أي حد يحس إنه أقل منها.
وفي آخر الرسالة كتبت:
“أنت كنت فاكر إنك كنت أضعف واحد في المدرسة، لكن الحقيقة إنك كنت أقوى مني بكتير. أنت خرجت من المدرسة وبنيت نفسك. وأنا فضلت سنين أحاول أثبت للناس إني الأفضل.”
قرأت الرسالة أكتر من مرة.
وبعدين قفلت التطبيق.
بعدها بشهور، اتقابلنا بالصدفة في القاهرة.
كانت مختلفة.
مش في شكلها…
في طريقتها.
بقت أهدى.
وبطلت تتكلم عن الناس باستخفاف.
ولما شافتني، ابتسمت وقالت:
— عامل إيه يا أحمد؟
قلت:
— الحمد لله.
ضحكت وقالت:
— لسه طويل زي زمان.
ضحكت أنا كمان.
ولأول مرة، كانت الضحكة بينا من غير ما يكون فيها إهانة.
لكن كل واحد فينا كمل طريقه.
أنا ماكنت محتاج أرجع للماضي.
كنت محتاج بس أتأكد إني خلاص خرجت منه.
وفي الليلة دي، وأنا راجع بيتي، فتحت المراية وبصيت لنفسي.
افتكرت الولد اللي كان بيهرب من عيون الناس في المدرسة.
وقلت له جوايا:
“إنت ماكنتش المشكلة.”
“ولا كنت ضعيف.”
“إنت بس كنت محاط بناس خلوك تصدق كده.”
وبعد 12 سنة…
أخيرًا فهمت إن أحسن انتقام من اللي أذوك مش إنك تأذيهم.
أحسن انتقام…
إنك تعيش حياة أجمل من الحياة اللي كانوا يتمنوا إنك ما توصلهاش.
وأنا وصلت.
من غيرهم.
تمت
