روايات

أخويا بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

كنت عندي ٨ سنين لما بابا وماما ماتوا، وساعتها أخويا الكبير **محمود**، اللي كان عنده ١٩ سنة، بقى هو عيلتي الوحيدة.

محمود عنده قِصر قامة، بس بالنسبالي عمره ما كان ده اللي بيعرّفه. هو الأخ اللي اشتغل شغلانتين وأخد ورديات زيادة عشان يقدر يوفّرلي طفولة طبيعية زي أي بنت.

وعشان كده، لما اتخطبت، مكنش فيه أي نقاش. **محمود هو اللي هيوصلني لحد المذبح.**

خطيبي **كريم** ابتسم وقال:

“طبعًا هو اللي هيوصلك.”

لكن أهله مكانوش مبسوطين.

في عزومة عندهم، أمه **سماح** بصتلي كأني بوّظت الفرح كله.

“استني… إنتِ بتتكلمي بجد؟ أخوكي فعلًا هو اللي هيمشي معاكي في الطرقة قدام ٢٠٠ واحد؟”

قلت لها:

“أيوه. هو اللي رباني.”

بصت لجوزها، وبعدها ضحكت ضحكة صغيرة.

“يا حبيبتي، الناس هتفضل تبص عليه. وكمان هيطلع في كل الصور. إحنا بندفع فلوس عشان نعمل فرح شيك وأنيق، مش عشان كل الناس تفضل طول الفرح تهمس وتتفرج على أخوكي.”

أبوه سند ضهره على الكرسي وقال:

“وأنا شايف إن ده يدينا الحق إننا نتأكد إن شكل الفرح مش يبقى… محرج.”

كرسي كريم اتزحلق لورا بعصبية.

“يبقى خلو فلوسكم ليكم. محمود هيمشي معاها في الطرقة دي، وإلا مفيش فرح من الأساس.”

اضطروا يسكتوا، لكن تعليقاتهم ماوقفتش.

سماح قالت للمصور إنه “يتجنب الصور اللي تبين الجسم كامل”.

وأبوه اقترح إن راجل تاني يمشي جنب محمود “عشان المنظر مايبقاش غريب”.

وقبل الفرح بيومين، طلبوا مني إن محمود يدخل من باب جانبي.

رفضت فورًا.

وفي يوم فرحي، كان محمود واقف جنبي ببدلته، وإيده كانت بتترعش وهي ماسكة إيدي.

همسلي:

“إنتِ متأكدة إنك عايزاني أنا؟”

حسيت إن زوري اتقفل من كتر التأثر.

قلت له:

“إنت الشخص الوحيد اللي عمري ما تمنيت حد غيره يكون جنبي.”

أبواب القاعة اتفتحت.

ووقف الـ٢٠٠ ضيف كلهم.

وإحنا في نص الطرقة، سمعت ضحك.

سماح خبّت ابتسامتها ورا البرنامج اللي في إيدها، وأبوه مال ناحيتها وهو بيضحك.

ولما عدينا من جنبهم، سمعتها بتهمس:

“على الأقل المصور يقدر يقص الجزء ده من الصور.”

إيد محمود شدت على إيدي أكتر، لكنه كمل مشيه من غير ما يقول كلمة.

لما وصلنا عند كريم، محمود باسني على خدي وقال:

“بابا وماما كانوا هيبقوا فخورين بيكي.”

في اللحظة دي، حسيت إني أسعد زوجة في الدنيا. اتجوزت أروع راجل ممكن أتمناه، وأخويا كان واقف جنبي، الشخص اللي ضحّى بكل حاجة عشاني.

لكن رغم فرحتي، كنت لسه سامعة أهل كريم وهما بيتهامسوا ويضحكوا على محمود، وبيقولوا إنه “بوّظ شكل الفرح”.

كنت مولعة من جوايا وعايزة أرد عليهم، لكن كريم طلب مني أستنى وماأعملش أي حاجة دلوقتي.

وبعدين محمود وقف عشان يلقي كلمته.

عيني اتملت دموع.

خبط بخفة على الكوباية اللي في إيده عشان يلفت انتباه كل الناس، وبصلي وابتسم.

وبعدين قال آخر حاجة كنت أتوقع أسمعها:

“لأهل أختي الغالية الجُدد…” قالها وهو بينحنح.

“لأهل أختي الغالية الجُدد…” قالها وهو بينحنح، “أنا عارف إن وجودي النهارده ممكن يكون مش مريح لبعضكم.”

القاعة كلها سكتت.

محمود بص ناحية سماح وجوزها، وبعدين كمل بهدوء:

“وعارف إنكم كنتوا خايفين إن الناس تفضل تبصلي أو تتكلم عني.”

اتنفس ببطء، وابتسم ابتسامة صغيرة.

“بس خلوني أقولكم حاجة… أنا طول عمري متعود إن الناس تبصلي.”

بعض الضيوف بدأوا يمسحوا دموعهم.

“من وأنا صغير، الناس كانت بتضحك عليا، وتشاور عليا، وتسأل أسئلة جارحة. ومع الوقت اتعلمت حاجة مهمة جدًا…”

سكت لحظة.

“إن قيمة الإنسان مش في طوله.”

بصلي.

“قيمته في اللي بيعمله للناس اللي بيحبهم.”

بدأ صوت بكاء خافت يطلع من بين الضيوف.

محمود كمل:

“لما بابا وماما ماتوا، كنت أنا لسه عندي ١٩ سنة. مكنتش عارف أعمل إيه، ولا كنت مستعد أكون مسؤول عن طفلة صغيرة.”

ابتسملي.

“بس أختي كانت محتاجاني.”

صوته بدأ يهتز.

“فاشتغلت. وذاكرت بالليل. وكنت برجع البيت تعبان، بس أول ما أشوفها بتضحك، كنت بنسى كل التعب.”

أنا مقدرتش أتمالك نفسي، وانفجرت في العياط.

محمود مسح دمعة من عينه وكمل:

“أنا مش جاي النهارده أطلب منكم تحبوني. ولا جاي أطلب منكم تشوفوني بشكل مختلف.”

بص ناحية أهل كريم مباشرة.

“أنا بس عايزكم تعرفوا إن الراجل اللي وقف جنب أختي النهارده، هو نفس الراجل اللي وقف جنبها كل يوم في حياتها.”

القاعة كلها كانت ساكتة تمامًا.

وبعدين قال:

“لكن في حاجة يمكن متعرفوهاش.”

أخرج ظرفًا أبيض من جيبه.

“أنا كنت ناوي أدي الظرف ده لأختي بعد الفرح.”

فتحه وطلع منه ورقة.

“دي ورقة ملكية شقة.”

الناس بدأت تبص لبعضها باستغراب.

“الشقة دي في مدينة نصر. اشتريتها من سنين، وحطيتها باسم أختي.”

بصلي وقال:

“لأن وعدي لبابا وماما كان إني أفضل أحميها لحد ما أضمن إنها واقفة على رجليها.”

أنا شهقت.

“محمود… إنت عملت كده إمتى؟”

ابتسم وقال:

“من خمس سنين.”

وبعدين بص لكريم.

“وأنا عارف إنك بتحبها، وعارف إنك هتخليها مبسوطة. بس لو في يوم الدنيا ضاقت بيكم، عايزك تفتكر إن أختي عمرها ما هتكون لوحدها.”

كريم قام من مكانه واتجه لمحمود.

قدام الـ٢٠٠ ضيف، حضنه جامد.

وقال:

“أنا مش عارف أشكرك إزاي.”

محمود ربت على ضهره وقال:

“خليها مبسوطة… وده كفاية.”

أما سماح، فكانت قاعدة مكانها ووشها اتغير تمامًا.

جوزها كان مطأطّي راسه ومش قادر يبص لمحمود.

وفجأة سماح قامت.

مشيت ناحية محمود والدموع في عينيها.

وقفت قدامه وقالت بصوت متقطع:

“أنا آسفة.”

محمود سكت.

قالت:

“أنا حكمت عليك من شكلك، وكنت غلطانة. غلطانة جدًا.”

وبعدين بصتلي وقالت:

“وإنتِ كنتي محقة… هو فعلًا يستحق يكون أول واحد يمشي معاكي.”

محمود ابتسم وقال:

“خلاص. المهم إن أختي فرحانة.”

وبعدها حصل شيء محدش في القاعة كان متوقعه.

كل الـ٢٠٠ ضيف وقفوا وصفقوا.

وبعد ثواني، التصفيق اتحول لبكاء وضحك في نفس الوقت.

أما أنا، فرحت لمحمود وحضنته قدام الكل.

وهمست له:

“إنت مش أخويا بس.”

ضحك وقال:

“أمال إيه؟”

قلت وأنا بعيط:

“إنت أبويا وأخويا وأماني.”

شد عليا وقال:

“وأهو دوري خلص… دلوقتي كريم يشيل المسؤولية.”

كريم ضحك وسط دموعه وقال:

“دي أحلى مسؤولية في الدنيا.”

ومن اليوم ده، محدش في عيلة كريم بص لمحمود على إنه “الراجل القصير”.

بقى بالنسبة لهم الراجل اللي ضحى بسنين من عمره عشان يربي أخته.

والليلة اللي كانوا فاكرين إنها هتكون ليلة إحراج…

بقت الليلة اللي كل الناس خرجت منها وهي فاهمة إن قيمة الإنسان عمرها ما كانت في طوله، لكن في حجم قلبه.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!