
ابتسم وقال:
“أيوه. وعشان كده الإدارة قررت ترد عليها رسميًا.”
فتح الظرف وطلع منه ورقة.
“دي لائحة الفندق. الرضاعة الطبيعية مسموح بيها في كل الأماكن العامة، طالما الأم ملتزمة بقواعد المكان.”
بصيت للورقة، وبعدين بصيت لملك اللي كانت نايمة في حضني.
حسيت بحاجة غريبة جوايا.
لأول مرة من يوم وفاة جوزي، حسيت إني مش محتاجة أعتذر عن حاجة طبيعية بعملها عشان بنتي.
قلت:
“بس أنا كنت هسيب المكان عشانها.”
كريم هز راسه بسرعة.
“ومفيش أي سبب يخليكي تمشي.”
وبعدين بص ليوسف وقال:
“إنت وأختك ضيوف عندنا، ومحدش من حقه يطردكم.”
يوسف ابتسم.
“يعني نقدر نكمل السباحة؟”
ضحك كريم وقال:
“طبعًا.”
رجع يوسف يجري ناحية حمام السباحة.
أما أنا، فضلت قاعدة مكاني.
لكن المرة دي، بدل ما أحس بالخجل، حسيت بالراحة.
بعد حوالي عشر دقايق، واحدة من الستات اللي كانت قاعدة مع المرأة اللي عملت المشكلة قربت مني.
كنت متوقعة إنها هتقول حاجة تضايقني.
لكنها وقفت قدامي وقالت:
“أنا آسفة.”
بصيت لها باستغراب.
قالت:
“أنا صاحبة الست اللي كانت بتزعقلك. الحقيقة… إحنا كلنا اتفاجئنا من اللي عملته.”
سكتت شوية وقالت:
“أنا عندي بنت صغيرة، ولما شوفتك بتعيطي من الإحراج، حسيت إني كنت لازم أتكلم.”
ابتسمت لها وقلت:
“مفيش مشكلة.”
لكنها هزت راسها.
“لأ، فيه مشكلة. أنا سكت لما كان المفروض أقول لها إنها غلط.”
وبعدين قالت:
“بنتك محظوظة إن عندها أم بتحاول تحميها رغم كل اللي مرت بيه.”
الجملة دي وجعتني.
لأنها فكرّتني بجوزي.
خفضت عيني وبدأت أعيط.
الست حطت إيدها على كتفي وقالت:
“أنا آسفة لو فكرتك بحاجة وحشة.”
مسحت دموعي وقلت:
“جوزي مات من كام شهر. ومن ساعتها وأنا حاسة إني مش عارفة أعيش.”
قالت بهدوء:
“يمكن النهارده مش بس يوم للعيال… يمكن يكون بداية ليكي إنتِ كمان.”
بصيت ناحية يوسف.
كان بيضحك وبيجري في الميه.
وبصيت ناحية ملك.
كانت نايمة بهدوء بين إيديا.
وفجأة افتكرت كلام يوسف قبل ما نخرج من البيت:
“أنا نفسي أروح أعوم.”
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
وقلت لنفسي:
يمكن جوزي مش موجود، لكن أولادي لسه هنا. ولسه محتاجين مني أعيش.
بعد شوية، الأستاذ كريم رجع لينا.
وقال:
“مدام، في حاجة أخيرة.”
قلت:
“إيه؟”
قال:
“الست اللي حصلت منها المشكلة طلبت الإدارة منها تغادر الفندق. ومش بس كده.”
سألته:
“إيه اللي حصل؟”
قال:
“بعد ما شافت تسجيل الكاميرات، حاولت تعتذر للموظفة اللي أهانتها.”
وبعدين ابتسم.
“لكنها رفضت ترجع للمسبح.”
ضحكت غصب عني.
وقلت:
“واضح إنها كانت متأكدة إنها هتقدر تطردني.”
قال:
“لكن اللي حصل هو العكس.”
سكت لحظة، ثم قال:
“وأنا حابب أقولك حاجة.”
بصيت له.
“إنتِ مش محتاجة تعتذري عن إطعام بنتك.”
الكلمة دي دخلت قلبي.
شكرتُه، وشلت ملك، وروحت قعدت جنب يوسف.
قعدت أتفرج عليه وهو بيعوم، ولأول مرة من شهور، ماحسيتش إن اليوم ناقص.
في طريق الرجوع للقاهرة، يوسف كان نايم في الكرسي الخلفي، وملك كانت نايمة في حضني.
بصيت من شباك العربية على الطريق، وافتكرت اليوم كله.
وفجأة فهمت إن اللي حصل عند حمام السباحة كان أكبر من مجرد خناقة مع ست غريبة.
كان أول مرة من بعد وفاة جوزي…
أختار فيها إني أعيش بدل ما أفضل مختبئة من الحياة.
ولما وصلنا البيت، فتحت الباب، ودخلت.
وقفت للحظة في الصالة.
المكان كان لسه مليان حاجات جوزي.
لكن المرة دي، بدل ما أنهار، ابتسمت.
وحطيت صورة ليه على الترابيزة، وقلت بصوت منخفض:
“وحشتني أوي… بس أنا هكمل.”
بصيت على أولادي.
“وعد.”
ومن اليوم ده، بدأت أخرج أكتر مع يوسف وملك.
مش عشان أنسى أبوهم.
لكن عشان أحقق الوعد اللي قطعته لنفسي…
إن أولادي مش هيخسروا حياتهم لمجرد إنهم خسروا أبوهم.
أما الست اللي كانت بتصرخ وتقول لي إني لازم أكون مكسوفة، فقد كانت آخر شخص يقدر يعلمني يعني إيه أمومة.
لأن في النهاية…
أنا كنت برضع بنتي.
لكنها كانت هي اللي محتاجة تتعلم درسًا عن الاحترام.
