
أخويا اللي عنده متلازمة داون عرض إنه يمشيني لحد المذبح بعد وفاة بابا، وكانت حماتي هي الوحيدة اللي اعترضت—فعلّمتها درس من غير ما أعمل خناقة.
أخويا سألني إذا كان ينفع هو يعمل مكان بابا.
كنا قاعدين في المطبخ بقالنا حوالي ساعة، وهو كل شوية يبدأ جملة ويسكت.
قال:
“ممكن أنا أعمل شغل بابا؟ في الفرح.”
افتكرت إنه بيتكلم عن توزيع الدعوات أو البرامج.
فقال:
“قصدي أمشيكي… في النص كده.”
بابا كان متوفي بقاله 11 شهر.
أخويا ناثان عنده 31 سنة، وعنده متلازمة داون، وكان هو وبابا متعلقين ببعض جدًا. كل سبت كانوا بينزلوا الجراج يقعدوا سوا، وكان لكل واحد فيهم نفس مج القهوة، وكمان كانوا بيحبوا نفس النكت السخيفة اللي محدش بيضحك عليها غيرهم.
طول الـ11 شهر اللي فاتوا، ماكنتش سامحة لنفسي حتى أفكر مين هيقف معايا عند باب الكنيسة، لأن أي إجابة كانت هتوجعني.
حطيت إيدي على بقي.
وهو فضل مستني ردي.
بدأ يتدرب من نفس الأسبوع.
عمي قالّي بعد كده إنه كان بيشوف ناثان ماشي في طرقة الشقة رايح جاي، رافع دراعه كأنه ماسك دراع حد، وبيعد الخطوات واحدة واحدة.
وكمان اتصل بالكنيسة بنفسه، من غير ما يقول لحد فينا، وسأل القس المفروض يعمل إيه لما يوصلوا قدام.
وكل ما حد كان يجيب سيرة أي قلق أو شك، كان بيرد بنفس الكلمتين:
“أنا اتدربت.”
الكل وافق.
ماما عيطت.
ودانيال قال إن دي كانت النسخة الوحيدة من اليوم اللي حاسس إنها منطقية.
لكن قبل الفرح بـ3 أسابيع، أمه فتحت الموضوع وإحنا بنتعشى.
كنا كلنا قاعدين على الترابيزة، وابنها نفسه كان قاعد قدامها.
قالت:
“هو طبعًا ييجي الفرح، محدش بيقول إنه ما يجيش.”
“ماما.”
قالت:
“أنا بس بقول إنه مش لازم يكون جزء من المراسم. يا حبيبتي، فكري بشكل عملي.”
وسكتت لحظة وبعدين كملت:
“الموضوع مش صورة واحدة. ده الممر كله، وترتيب الصور، والألبوم، والصورة الكبيرة اللي هتتحط فوق المدفأة عندنا.”
قالتها وكأن الموضوع خلاص اتقرر.
“وشه هيبقى موجود في كل صورة تقريبًا.
إنتِ هتبصي للصور دي لمدة أربعين سنة. وأنا مش عايزة الصور دي.”
حطيت الكوباية قدامي بهدوء.
كان عندي ست حاجات عايزة أقولهم لها، وكنت مستعدة أقولهم كلهم في بيتها، قدام ابنها.
*ده أخويا.*
*قولي اسمه.*
*قولي اسمه وإنتِ قاعدة قدامي.*
لكن في اللحظة دي، دانيال مسك إيدي من تحت الترابيزة وضغط عليها مرة واحدة.
وقال لها:
“هنلاقي حل.”
مش ليا.
لها هي.
بصيت له وفهمت إني مش هعملها.
مش هناك، ومش في الليلة دي.
ده كان فرحي أنا، ومش هسمحلها إنها تحول الليلة اللي المفروض تبقى من أجمل ليالي حياتي لخناقة أصرخ فيها على ترابيزتها.
فقلت بس:
“السلمون طعمه حلو أوي.”
ماعرفتش أنام تقريبًا.
ولما الساعة قربت من تلاتة الفجر، كنت عرفت بالظبط هعمل إيه.
وملوش أي علاقة إني أقول لها كلمة واحدة.
تاني يوم الصبح، اتصلت بالمصورة.
وقلت لها:
“أنا محتاجة أغير حاجة في يوم الفرح. ومحتاجة منك ما تقوليش لأي حد من عيلته. خصوصًا أمه.”
سكتت شوية، وبعدين قالت:
“تمام… قوليلي.”
قالتلي المصورة:
“تمام… قوليلي.”
قلت لها:
“أنا عايزة نعمل حاجة مختلفة في الصور.”
شرحت لها فكرتي بالتفصيل.
طلبت منها إنها تصور لحظة دخول ناثان معايا من أول باب الكنيسة، بس من زاوية تخلي التركيز علينا إحنا الاتنين، من غير ما تبقى الصور متصنعة أو مبالغ فيها.
وبعدين قلت لها:
“وفي حاجة أهم. أنا عايزة نعمل جلسة تصوير صغيرة بعد الفرح، أنا وناثان بس.”
ضحكت وقالت:
“دي فكرة جميلة جدًا.”
قلت:
“مش عايزة حد يعرف.”
“حتى العريس؟”
“دانيال عارف. بس محدش من عيلته.”
قالتلي:
“اعتبري الموضوع سر.”
قفلت معاها، وقعدت على طرف السرير شوية.
لأول مرة من ساعة ما حماتي قالت كلامها، حسيت إني رجعت أتنفس.
مش عشان لقيت طريقة أعاقبها.
بالعكس.
لأني لقيت طريقة أخلي اليوم ده عن الناس اللي بحبهم، مش عن رأيها.
الأسابيع اللي بعدها عدت بسرعة.
ناثان كان لسه بيتدرب.
كل يوم تقريبًا كان يسألني:
“كام خطوة؟”
وأنا أقوله:
“تلاتة وأربعين.”
فيعيد العد بصوت عالي:
“واحد… اتنين… تلاتة…”
وفي كل مرة يوصل عند الرقم الأخير، كان يبتسم بفخر.
مرة قلت له:
“إنت مش لازم تتدرب أكتر من كده يا ناثان. إنت حافظها.”
بصلي وقال:
“لازم أتأكد.”
“من إيه؟”
قال بمنتهى الجدية:
“عشان بابا كان هيحب إني أعملها صح.”
الجملة دي كسرتني.
حضنته ومقدرتش أرد.
في يوم الفرح، من أول الصبح، البيت كان مقلوب.
ماما بتجري في كل حتة.
خالاتي داخلين خارجين.
التليفونات مش بتسكت.
وناثان كان واقف قدام المراية لابس البدلة اللي اختارها بنفسه.
كانت بدلة كحلي غامق، وقميص أبيض، وكرافتة بسيطة.
دخلت عليه وقلت:
“جاهز؟”
لف ناحيتي.
ابتسم.
وقال:
“أنا جاهز من زمان.”
ضحكت.
وبعدين سألني:
“إنتِ خايفة؟”
قلت:
“شوية.”
قال:
“أنا مش خايف.”
“ليه؟”
رفع دراعه وقال:
“عشان أنا اتدربت.”
ضحكت وسط دموعي.
“أيوه يا ناثان… إنت اتدربت.”
وصلنا الكنيسة.
وكانت كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا.
قبل بداية المراسم بدقائق، وقفت عند الباب.
ناثان كان جنبي.
مسك دراعي.
وكانت إيده بتترعش شوية.
بصيت له.
قلت:
“متوتر؟”
قال:
“شوية.”
وبعدين قرب مني وقال:
“بس مش هسيبك.”
حسيت إن قلبي اتقبض.
قلت له:
“عارفة.”
الباب اتفتح.
الموسيقى بدأت.
ومشينا.
خطوة.
وبعدها خطوة.
ناثان كان بيعد في سره.
وأنا كنت سامعاه.
“واحد… اتنين… تلاتة…”
الناس كلها قامت.
ماما كانت بتعيط.
عمي مسح عينه.
ودانيال كان واقف قدامنا، ووشه كله ابتسامة ودموع.
ولما وصلنا لنهاية الممر، ناثان وقف.
بص لدانيال.
وبعدين بصلي.
وقال بصوت واطي:
“وصلتك.”
قلت له:
“أيوه.”
وبعدين حضنته قدام كل الناس.
المراسم كملت.
ولما خلصنا، خرجنا للتصوير.
حماتي كانت واقفة بعيد شوية.
ولاحظت المصورة وهي بتقرب من ناثان.
قالت لها:
“ممكن تصورينا إحنا الاتنين؟”
ناثان وقف جنبي.
المصورة قالت:
“قربوا من بعض.”
حط ناثان إيده على كتفي.
وأنا حطيت إيدي على كتفه.
واتصورت أول صورة.
وبعدين واحدة تانية.
وبعدين تالتة.
بعدها المصورة قالت:
“دلوقتي عايزاكم تعملوا حاجة مختلفة.”
بصينا لها.
قالت:
“بصوا لبعض.”
بصيت لناثان.
وهو بصلي.
وفجأة ضحك.
ضحكت أنا كمان.
وده كانت أحلى صورة في اليوم كله.
بعد الفرح بأسبوعين، المصورة بعتتلي الصور.
فتحت الألبوم الإلكتروني.
ولقيت الصورة اللي ضحكنا فيها.
فضلت أبص لها فترة طويلة.
وبعدين عملت حاجة واحدة.
طبعتها بحجم كبير جدًا.
أكبر صورة في البيت كله.
وبعدها بيوم، وصلتني رسالة من حماتي.
“الصور جميلة جدًا. بس في صورة معينة أنا لاحظتها.”
كنت عارفة هي تقصد إيه.
رديت:
“أنهي صورة؟”
بعتتلي صورة ناثان وهو واقف جنبي.
وقالت:
“دي.”
كتبت:
“دي أكتر صورة بحبها.”
بعد كام دقيقة، ردت:
“مش عارفة إنتِ إزاي ممكن تختاري دي بالذات.”
ما رديتش.
بعد يومين، كانت أول مرة تيجي بيتنا بعد الفرح.
دخلت الصالة.
وأول حاجة شافتها كانت الصورة.
كانت معلقة فوق المدفأة.
أنا وناثان.
لوحدنا.
ضحكت وقالت:
“إنتِ فعلًا عملتي كده؟”
بصيت لها.
وقلت بهدوء:
“أيوه.”
قالت:
“بس أنا قلتلك إني مش عايزة…”
قاطعتها لأول مرة.
“إنتِ قلتي إنك مش عايزة تشوفي وش أخويا في صور فرحي.”
سكتت.
وكملت:
“بس ده فرحي أنا.”
بصت للصورة.
وبعدين قالت:
“كان ممكن تحطيها في ألبوم.”
قلت:
“ممكن.”
وسكت شوية.
“بس أنا اخترت أحطها هنا.”
بصتلي باستغراب.
قلت:
“عشان كل يوم أشوفها.”
ما ردتش.
ناثان دخل الصالة في اللحظة دي.
كان شايل طبق حلويات.
وقال لها:
“تحبي تاكلي؟”
بصت له.
وبعدين بصتلي.
وقالت:
“آه… شكرًا.”
ناثان حط الطبق قدامها.
وقعد جنبنا.
وبعد ثواني، بص للصورة الكبيرة وقال:
“دي أحسن صورة.”
ابتسمت.
وقلت:
“أنا كمان شايفة كده.”
حماتي فضلت ساكتة.
وبعد شوية قالت:
“أنا… يمكن كنت غلطانة.”
ناثان ما فهمش الموضوع كله.
لكنه ابتسم وقال:
“عادي.”
وبعدين مد لها قطعة جاتوه.
“خدي دي. دي أحلى واحدة.”
بصيت له.
وفهمت إن دي كانت اللحظة اللي كنت مستنياها.
مش اعتذار كبير.
ولا خناقة.
ولا انتصار.
بس لحظة بسيطة، أخويا فيها فضل زي ما هو.
طيب.
صادق.
ومحب.
وهو الشخص اللي بابا اختاره قبل ما يموت، حتى لو محدش قالها بصوت عالي.
قبل ما حماتي تمشي، وقفت قدام الصورة مرة تانية.
وقالت لناثان:
“إنت كنت متوتر يوم الفرح؟”
قال:
“آه.”
“طب عملت إيه؟”
ابتسم وقال:
“اتدربت.”
ضحكت لأول مرة.
ضحكة صغيرة، لكنها كانت حقيقية.
ولما الباب اتقفل وراها، بصيت لناثان.
قلت له:
“تعرف إن بابا كان هيبقى فخور بيك؟”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“أنا عارف.”
وبص للصورة.
“هو كان واقف جنبي في كل خطوة.”
ساعتها مقدرتش أتماسك.
حضنته.
وفهمت إن أحيانًا أحسن درس ممكن تعلمه لحد مش بيحترم شخص بتحبه، إنك ببساطة تدي الشخص ده مكانه الحقيقي.
من غير خناقة.
من غير صراخ.
ومن غير ما تسمح لحد يسرق منك أجمل يوم في حياتك.
لأن في النهاية…
ناثان ما أخدش مكان بابا.
هو كان بيحمل حب بابا ليا.
وده كان كفاية.
تمت
