
“بتصرفي فلوس كتير على فستان عشان حفلة، هو الموضوع مستاهل يعني؟” قالت حماتي، من غير حتى ما ترفع عينيها من على الموبايل.
كنت واقفة في الناحية التانية من المطبخ، وماسكة في إيدي الورقة اللي المدرسة باعتاها، وفيها ميعاد حفلة آخر السنة. كنت طول اليوم بجمع شجاعتي عشان أطلب منها حاجة.
“ماما سابتلنا فلوس عشان حاجات زي دي”، قلت بصوت واطي.
نجلاء ضحكت بسخرية.
“إحنا محتاجين الفلوس دي لمصاريف البيت والحياة اليومية”، ردت. “وبعدين، مين أصلًا عايز يشوفك ماشية تتباهي بفستان خيالي غالي؟”
وبعدين رمت شنطتها الجديدة الماركة على الرخامة.
وتمنها كان لسه متعلق فيها.
بابا مات فجأة السنة اللي فاتت. ومن ساعتها، نجلاء بقت هي اللي متحكمة في كل جنيه عندنا، حتى الفلوس اللي ماما كانت سايباها ليا ولأخويا الصغير.
الموضوع انتهى.
مفيش فستان.
ومفيش حفلة.
طلعت أوضتي وأنا بحاول أمنع دموعي من النزول.
لكن أخويا الصغير، ياسين، كان سامع كل كلمة.
كان عنده خمستاشر سنة. السنة اللي فاتت، دخل فصل الخياطة بالصدفة، عشان فصل النجارة كان كامل ومفيش مكان ليه.
الولاد التانيين فضلوا يتريقوا عليه بالشهور.
ومن وقتها، رفض يتكلم عن الخياطة تاني.
لحد الليلة دي.
ظهر فجأة عند باب أوضتي، وفي إيده كومة من بناطيل الجينز القديمة بتاعة ماما.
ماما كانت محتفظة بيهم بقالها سنين.
بصلي وقال:
“تقدري تثقي فيا؟”
خلال الأسبوعين اللي بعد كده، ياسين حوّل المطبخ بتاعنا لورشة خياطة كاملة.
واللي عمله كان تحفة بجد.
درجات ألوان الجينز المختلفة كانت متداخلة مع بعض كأنها قطع من ذكريات قديمة عشتها مع ماما.
ولما نجلاء شافته صباح يوم الحفلة، انفجرت في الضحك.
“ده أكتر فستان محرج شوفته في حياتي!” قالت. “لو رحتي بيه كده، كل الناس هتتريق عليكي.”
لكن أنا لبسته.
أخويا الصغير هو اللي عملهولي.
وكل قطعة قماش فيه كانت في يوم من الأيام جزء من هدوم ماما.
نجلاء حتى راحت حفلة آخر السنة، وموبايلها في إيدها، وكانت بتقول لأهالي الطلبة إنها متحمسة تصور “فضيحة الفستان”.
لكن أول ما طلعت على المسرح…
المزيكا وقفت فجأة.
مدير المدرسة، أستاذ محمود، مشي ناحيتها مباشرة، ومدلها الميكروفون.
وبعدين أشار للمصور.
وقال بنبرة جادة:
“صوّر الست دي لقطة قريبة…”
وسكت لحظة، وهو بيبص في وش نجلاء.
“لأني شبه متأكد إني عارفها…”
سكتت القاعة كلها.
نجلاء فضلت واقفة مكانها، والموبايل لسه في إيدها، لكن الابتسامة اللي كانت على وشها اختفت تمامًا.
“إنت… تعرفني؟” سألت وهي بتحاول تضحك.
الأستاذ محمود ما ردش فورًا.
بص للمصور وقال:
“هات صورة أقرب.”
المصور قرّب الكاميرا من نجلاء.
وبعدين مدير المدرسة بص ناحية شاشة العرض الكبيرة، وطلب من الفني يشغل صورة كان محضرها.
ظهرت صورة قديمة على الشاشة.
كانت لماما.
ماما وهي واقفة قدام المدرسة، من حوالي خمس سنين، جنب مدير المدرسة.
همس انتشر بين الحاضرين.
أنا حسيت إن قلبي وقف.
الأستاذ محمود بصلي وقال:
“أنتِ بنت هالة، صح؟”
هزيت راسي.
“أيوه.”
ابتسم بحزن.
“كنت متأكد.”
وبعدين بص لنجلاء.
“لكن أنا مش متأكد إنتِ ليه موجودة هنا.”
نجلاء اتوترت.
“أنا مرات أبوها.”
الأستاذ محمود عقد حواجبه.
“مرات أبوها؟”
“أيوه.”
“غريب.”
فتح ملف كان في إيده.
“لأن والدتك حضرت للمدرسة قبل وفاتها بشهور، وطلبت مني شخصيًا أحتفظ بحاجة معينة لحد ما أولادها يكبروا.”
أنا حسيت برجلي بتترعش.
“حاجة إيه؟”
الأستاذ محمود مد إيده، وأشار لحد واقف جنب المسرح.
كان المحامي.
راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادي، وماسك حقيبة جلد.
أول ما شوفته، نجلاء وشها اتغير.
“إنتِ تعرفيه؟” سألتني.
لكن المحامي كان باصص لها هي.
وقال:
“للأسف، أنا أعرفك كويس جدًا.”
نجلاء بلعت ريقها.
“إحنا عمرنا ما اتقابلنا.”
ابتسم ابتسامة باردة.
“قابلتك يوم وفاة والدهم.”
سادت حالة من الصمت.
أنا بصيت له.
“يوم وفاة بابا؟”
هز راسه.
“أيوه.”
فتح الحقيبة وأخرج مجموعة أوراق.
“بعد وفاة والدك، والدتك كانت قد تركت تعليمات واضحة جدًا بخصوص الأموال الخاصة بك وبأخوك ياسين.”
نجلاء بدأت تتحرك بعصبية.
“الأموال دي ملك الأسرة كلها.”
المحامي رد بهدوء:
“لا.”
فتح ورقة.
“كانت ملك هالة، وقد خصصتها لأولادها.”
وبعدين بصلي.
“والدتك كانت تعرف إن والدك ممكن يتوفى قبلها، وكانت خايفة إن أي شخص يحاول يستغل أموالكم.”
اتنهدت.
“عشان كده عملت صندوق أمان مالي باسمك وباسم ياسين.”
نجلاء صرخت:
“ده كذب!”
الأستاذ محمود قاطعها:
“اهدَي يا مدام نجلاء.”
لكن المحامي كمل:
“والأهم من كده، هالة كتبت في وصيتها إن الأموال لا تُستخدم في شراء أي كماليات للوصي أو أفراد الأسرة البالغين.”
كل الناس بصت لنجلاء.
أنا بصيت على شنطتها الجديدة.
نفس الشنطة اللي كانت لسه بتمنعني من شراء فستان.
المحامي أخرج صورة من ملفه.
“ودي فاتورة الشنطة.”
نجلاء اتجمدت.
“إيه؟”
“اتدفعت من الحساب المخصص للأطفال.”
القاعة كلها بدأت تهمهم.
أنا حسيت بالصدمة.
“إنتِ… استخدمتي فلوس ماما عشان تشتري الشنطة؟”
نجلاء حاولت تدافع عن نفسها.
“كنت محتاجاها! وأنا اللي بصرف عليكم!”
المحامي هز راسه.
“كان مسموح لكِ تصرفي على احتياجاتهم الضرورية فقط.”
ثم أخرج ورقة أخرى.
“لكننا راجعنا الحسابات.”
وسكت.
“في خلال العام الماضي، تم سحب مبلغ كبير جدًا.”
بصلي مباشرة.
“والأموال لم تُستخدم على البيت.”
بصيت لنجلاء.
لأول مرة، ما كانتش قادرة تبص في عيني.
وفجأة، ياسين طلع على المسرح.
كان لابس قميص بسيط، ووشه متوتر.
بص للفستان وقال:
“أنا آسف لو الفستان سببلك مشكلة.”
قربت منه وحضنته.
“إنت عملت أجمل حاجة حد عملهالي في حياتي.”
ابتسم.
لكن الأستاذ محمود طلب منه يقف قدام الميكروفون.
وقال:
“ياسين، أنت كنت في فصل الخياطة السنة اللي فاتت، صح؟”
هز راسه.
“أيوه.”
“عارف إن مدرستنا كانت عاملة مسابقة تصميم للطلاب؟”
ياسين اتفاجئ.
“لا.”
الأستاذ محمود ابتسم.
“لأن مدرس الخياطة بعتلي صور من شغلك.”
وبص للفستان.
“والفستان ده تحديدًا…”
سكت لحظة.
“هيشارك باسمك في مسابقة على مستوى الجمهورية.”
القاعة انفجرت بالتصفيق.
أنا بصيت لياسين، وعيني مليانة دموع.
أما نجلاء، فكانت واقفة في آخر القاعة، وشها أحمر من الإحراج.
لكن المفاجأة الأكبر لسه ما حصلتش.
المحامي قرب مني وقال بصوت منخفض:
“في حاجة تانية والدتك طلبت مني أقولها لكِ الليلة دي.”
“إيه؟”
فتح آخر ظرف.
كان عليه خط ماما.
أول ما شفت خطها، بدأت أعيط.
فتحته بإيدين بتترعش.
وكان مكتوب:
“لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجودة عشان أحميكم بنفسي. لكني كنت واثقة إنك هتعرفي تحمي أخوكي… وإنه في يوم من الأيام هيستخدم إيده عشان يصنع حاجة أجمل من أي حاجة كنت أقدر أشتريها له.”
بصيت لياسين.
كان بيعيط هو كمان.
وبعدين قرأت السطر الأخير:
“ومتسمحيش لأي حد يقنعكم إن ذكرياتنا مالهاش قيمة… لأن اللي بيتعمل بحب عمره ما يبقى مجرد قطعة قماش.”
رفعت عيني عن الورقة.
وفي اللحظة دي، فهمت إن ماما كانت موجودة معانا طول الوقت.
مش في الفستان بس.
لكن في كل غرزة عملها ياسين.
وفي كل ذكرى حاولنا نحافظ عليها.
أما نجلاء…
فكان عندها حسابات تانية خالص.
ولأول مرة، ما كانتش هي اللي ماسكة الفلوس.
القانون هو اللي كان ماسك حساباتها.
تمت
