
أختي التوأم مريم وأنا كنا لازقين في بعض بشكل محدش يقدر يتخيله. كنا بنشارك بعض في كل حاجة—الهدوم، الصحاب، وحتى الحاجات اللي من غير ما نتكلم كنا بنفهمها من نظرة واحدة. وده كان دايمًا بيخلي الناس تقول إن التوأم بينهم رابط خاص محدش يقدر يفهمه.
لكن من عشر سنين بالظبط، حصلت لمريم حادثة عربية مروعة على طريق صحراوي بعيد.
عربيتها خرجت عن الطريق ووقعت من فوق منحدر شديد، وبعدها العربية ولعت بالكامل. ولما فرق الإنقاذ قدرت تطفي الحريق أخيرًا، السلطات قالت لعيلتنا إن مفيش تقريبًا أي حاجة قدروا يستخرجوا منها.
اضطرينا نعمل لها جنازة بكفن مقفول.
وفقدانها كان بالنسبالي زي ما أكون فقدت نص هويتي.
عدت سنين طويلة وأنا بحاول أتعلم إزاي أعيش من غيرها. دخلت جلسات علاج نفسي، وبعد فترة نقلت أعيش في المنصورة، واشتغلت شغلانة هادية، وحاولت أبدأ حياتي من جديد.
كنت لسه بفتقدها كل يوم، بس الوجع الحاد والخانق اللي كان بيشلني في البداية، مع الوقت اتحول لوجع هادي جوه قلبي.
لحد يوم الاتنين اللي فات.
الصبح بدأ عادي جدًا.
كنت قاعدة على ترابيزة المطبخ في شقتي، بكتب إيميل للشغل، وفجأة موبايلي رن.
بصيت على الشاشة، لقيت رقم تابع لمكان في المنطقة وأنا مش عارفاه.
افتكرت إنها يمكن عيادة أو مكالمة روتينية، فرديت.
“ألو؟”
جالي صوت ست لطيف ومليان حيوية:
“أيوه، حضرتك سارة؟”
“أيوه، مين معايا؟”
“أنا بتصل من عيادة أسنان هنا في المنصورة.”
“آه، تمام.”
الست ردت بحماس:
“عظيم! أخت حضرتك مريم عندنا في الاستقبال.”
اتجمدت مكاني.
كملت كلامها بشكل طبيعي جدًا:
“هي لسه مخلصة إجراء عند الدكتور ولسه تحت تأثير البنج شوية. موبايلها فصل شحن، بس هي كانت حافظه رقم حضرتك باعتبارك شخص الطوارئ عندها. وطلبت مني أتصل بيكي علشان تيجي تاخديها.”
المطبخ كله سكت فجأة.
حتى صوت التلاجة اللي كنت متعودة عليه اختفى من وداني.
مسكت الموبايل بإيدي بقوة، وقلت بصوت متقطع:
“معلش… ممكن تقولي تاني مين موجود عندكم؟”
صوت الست اتغير شوية وبان عليها الاستغراب.
“مريم.”
سكتت لحظة وبعدين قالت:
“هي قاعدة قدامي في الاستقبال.”
حسيت بقشعريرة جرت في جسمي كله.
أكيد دي مقلب.
أكيد حد بيعمل فيا حركة قذرة.
مفيش أي تفسير تاني.
أنا حضرت جنازة مريم.
أنا شوفت النعش المقفول.
أنا عشت عشر سنين كاملة وأنا متأكدة إنها ماتت.
الست سألتني:
“تحبي أكلمها؟”
حلقي نشف تمامًا.
“أيوه.”
سمعت صوت حركة في الطرف التاني.
وبعد ثواني، جه صوت من السماعة.
صوت أعرفه أكتر من صوتي.
صوت مريم.
“سارة؟”
نفسي اتقطع.
وبعدين قالت:
“تعالي خُديني.”
وقفت كل شعرة في دراعي.
دي كانت صوت مريم.
مش شبه صوتها.
مش واحدة بتقلدها.
صوتها هي.
نفس النبرة.
نفس الطريقة اللي كانت بتنطق بيها اسمي.
حتى التردد الصغير اللي كان بيظهر في صوتها لما تكون خايفة.
طلبت من موظفة الاستقبال العنوان، وقُدت العربية وأنا تقريبًا مش فاكرة أنا مشيت إزاي ولا وصلت إزاي.
لما وصلت قدام العيادة، فضلت ثواني جوه العربية وأنا ببص على الباب.
إيدي كانت بتترعش.
نزلت من العربية، دخلت المبنى، وطلعت لحد العيادة.
فتحت باب الاستقبال…
وأول ما دخلت غرفة الانتظار، وقفت مكاني تمامًا.
قدامي كانت قاعدة ست.
ست شبه مريم لدرجة إن ركبتي خانتني.
نفس شكل الوش.
نفس الشعر.
نفس لون العينين.
نفس الشامة الصغيرة اللي كانت فوق شفايفها من الناحية اليمين.
حتى طريقة قعدتها كانت زي مريم.
كانت لابسة بنطلون جينز وجاكيت أسود، وحاطة إيديها على شنطتها، ولسه آثار البنج باينة عليها.
أول ما عيني جت في عينها، ابتسمت.
وقالت:
“سارة؟”
أنا مقدرتش أرد.
موظفة الاستقبال بصتلي وبعدين بصتلها، وقالت بابتسامة:
“أهو أختك وصلت.”
أنا فضلت واقفة مكاني.
الست قامت ببطء، وقربت مني.
“مالك؟”
صوتي خرج بالعافية:
“إنتِ… مين؟”
ابتسامتها اختفت.
“أنا مريم.”
هزيت راسي بعنف.
“مستحيل.”
هي بصتلي باستغراب.
“إيه اللي مستحيل؟”
رجعت خطوة لورا.
“مريم ماتت.”
لما قلت الجملة دي، وشها اتغير.
فضلت تبصلي ثواني، وبعدين قالت:
“إنتِ بتتكلمي عن إيه؟”
موظفة الاستقبال بدأت تحس إن فيه حاجة غلط.
قالت:
“هو… حضرتكوا تعرفوا بعض كويس، صح؟”
بصيت لمريم.
“أيوه.”
وبعدين قلت:
“دي أختي التوأم.”
مريم قربت مني أكتر.
“وأنا فعلًا أختك التوأم.”
بدأت دموعي تنزل من غير ما أحس.
قلت:
“أختي ماتت من عشر سنين.”
مريم اتجمدت.
وشها فقد كل تعبير.
“إيه؟”
طلعت موبايلي بإيد بتترعش، وفتحت صور قديمة.
كانت صورة ليا أنا ومريم وإحنا صغيرين.
حطيت الموبايل قدامها.
“دي إنتِ.”
بصت للصورة.
وبعدين بصتلي.
وبعدين رجعت للصورة.
وفجأة قالت:
“أنا… مش فاكرة الصورة دي.”
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
“إنتِ مش فاكرة؟”
هزت راسها.
“لا.”
سكتت شوية، وبعدين قالت:
“أنا فاكرة اسمي مريم. فاكرة إني اتولدت في القاهرة. فاكرة بابا وماما… بس آخر حاجة فاكرها قبل ما أصحى النهارده إني كنت في بيت.”
قربت منها.
“بيت مين؟”
مريم حطت إيدها على دماغها.
“مش عارفة.”
وبعدين فجأة شهقت.
“استني…”
بصتلي بخوف.
“أنا فاكرة حادثة.”
قلبي وقف.
“حادثة إيه؟”
غمضت عينيها.
“عربية… نار… كنت جوه عربية.”
أنا اتراجعت خطوة.
“إنتِ فاكرة الحادثة؟”
قالت بصوت ضعيف:
“مش كلها. بس فاكرة إني كنت خايفة. وفاكرة حد شدني من العربية.”
سألتها:
“مين؟”
فتحت عينيها وبصتلي.
“راجل.”
“مين الراجل ده؟”
هزت راسها.
“مش عارفة.”
وفجأة مسكت إيدي بقوة.
“بس أنا فاكرة حاجة واحدة.”
“إيه؟”
قالت:
“هو قالي إن لو رجعتلك في يوم… هيقتلني.”
اتسعت عيني.
“مين؟”
مريم بصت حواليها، وكأنها خايفة حد يسمعها.
وبصوت شبه الهمس قالت:
“الراجل اللي خلاني أعيش العشر سنين دول.”
في اللحظة دي، موبايلي رن.
رقم غريب.
بصيت للشاشة.
وبعدين رديت.
مافيش أي كلام في الأول.
بس سمعت نفسًا هاديًا من الناحية التانية.
وبعدين صوت راجل قال:
“كان المفروض ما تروحيش العيادة يا مريم.”
مريم سمعت صوته.
وشها ابيض تمامًا.
وبصتلي وقالت:
“ده هو.”
أنا قربت الموبايل من ودني.
الراجل كمل:
“سارة… لو عايزة تعرفي أختك عاشت فين كل السنين دي، متجيبيش الشرطة.”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“تعالي لوحدك على المكان اللي هبعتهولك.”
وقفل الخط.
