روايات

سر يوم التخرج بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

ابنتي اختارت عامل النظافة في المدرسة عشان يمشي معاها في حفل التخرج بدل مني — حسيت بإهانة قدام الناس، لحد ما طلع ظرف قديم من جيبه وقال: «أمها ترجّتني إني أعمل كده».

أنا ربيت بنتي مريم لوحدي. أمها ماتت وهي بتولدها، ومن اليوم ده وعدت نفسي بحاجة واحدة:

مريم عمرها ما هتحس إنها ناقصها نص عيلة.

وعشان كده، لما جه يوم تخرجها، كنت متأكد إني عارف بالظبط إيه اللي هيحصل. المدرسة كانت طالبة من كل طالب متخرج يختار شخص واحد كان له فضل عليه، عشان يمسك إيده ويمشي معاه في أرض الملعب وقت التخرج.

صباح اليوم ده، كويت القميص بتاعي مرتين.

ولما جه وقت نداء اسمها…

كنت متأكد إنها هتيجي ناحيتي.

لكن مريم ما مدتليش إيدها.

عدّت من جنبي، وراحت ناحية عم صابر، عامل النظافة في المدرسة، ولفت دراعها حوالين دراعه.

عم صابر كان شغال في المدرسة دي من أيام ما أنا نفسي كنت طالب فيها.

بصتله مريم بابتسامة هادية وقالت:

— «ممكن تمشي معايا في حفل التخرج؟»

الملعب كله بدأ يهمس.

— «هو ده عامل النظافة؟»

— «طب فين أبوها؟»

— «يا حرام… شكله اتصدم.»

واحد من أولياء الأمور اللي قاعدين جنبي بصلي وقال:

— «كل حاجة تمام؟»

طلعت ابتسامة متماسكة بالعافية وقلت:

— «آه… مريم بتحب تعمل حاجات مفاجئة.»

لكن الحقيقة؟

عمري ما حسيت إني صغير ومكسور قدام الناس بالشكل ده.

وقفوا عند المنصة.

وفجأة، عم صابر لف ناحية الميكروفون.

وحط إيده في جيب قميصه، وطلع ظرف قديم لونه أصفر، أطرافه متآكلة من الزمن.

الملعب كله سكت.

حتى الفرقة الموسيقية بطلت تجهيزاتها.

عم صابر أخد نفس طويل، وإيده كانت بتترعش، وقال:

— «والدة البنت دي طلبت مني إني أقرأ الكلام ده بصوت عالي… عشان كل الناس تسمعه.»

وبص ناحيتي وسط المدرجات.

وبعدين قال:

— «خصوصًا أبوها.»

اتجمدت مكاني.

عم صابر فتح الظرف ببطء، وطلع منه جواب قديم.

بص للكلام كام ثانية، وبعدها رفع عينه ناحيتي.

وبدأ يقرأ…

واللي كان مكتوب جوه الظرف خلّى كل شخص في المدرجات تقريبًا يحبس نفسه من الصدمة.

عم صابر فرد الورقة قدامه، وصوته كان واطي في الأول، لكن الميكروفون خلّى كل كلمة توصل لآخر كرسي في المدرجات.

وقال:

— «يا صابر… لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى اليوم اللي كنت خايفة منه، واليوم اللي كنت مستنياه في نفس الوقت، جه.»

أنا حسيت إن قلبي وقف.

صوت عم صابر اتغير، وكأنه فجأة بقى صوت أم مريم نفسها.

— «أنا عارفة إنك هتستغرب إن الرسالة دي معاك، وعارفة إن جوزي ممكن يزعل لما يعرف إني طلبت منك تحتفظ بيها. بس أنا عايزاك توعدني بحاجة.»

عم صابر وقف لحظة، وبصلي.

وبعدين كمل:

— «لو مريم وصلت ليوم تخرجها، وما كانش أبوها قادر يمشي معاها… أو حتى لو كان موجود، بس هي اختارتك أنت… امشِ معاها.»

الهمسات بين الناس اختفت تمامًا.عنوان

محدش بقى بيتكلم.

وأنا كنت قاعد مش فاهم أي حاجة.

كمل عم صابر:

— «لأنك أكتر شخص أنا واثقة إنه هيحافظ على السر اللي بيني وبينك.»

أنا قمت من مكاني من غير ما أحس.

— «سر إيه؟»

عم صابر ما ردش.

مريم كانت واقفة جنبه، ودموعها نازلة على خدودها.

عم صابر رجع للرسالة.

— «جوزي فاكر إني ماتت وأنا بولد مريم. وده صحيح… لكن قبل ما أموت، كان عندي كلام كتير ما قدرتش أقوله.»

حسيت الدنيا بتلف بيا.

مراتي ماتت من سبعتاشر سنة.

سبعتاشر سنة وأنا عايش على آخر صورة ليها في المستشفى.

وشها الشاحب.

إيدها اللي مسكت إيدي.

وصوتها الضعيف وهي بتقول:

«خلي بالك من بنتنا.»

أنا فضلت سنين أفتكر إن دي كانت آخر كلماتها.

لكن عم صابر كان ماسك دليل إن في حاجة تانية حصلت.

كمل:

— «يا صابر، لو أنا ما لحقتش أشوف بنتي وهي بتكبر، خلي بالك منها من بعيد. متدخلش في حياتها بشكل يخلي أبوها يشك فيك. بس لو احتاجت حاجة… ساعدها.»

ثم قرأ:

— «وأهم حاجة… متقولش لجوزي إني طلبت منك كده، إلا يوم تخرج مريم.»

اتنفضت من مكاني.

— «ليه؟!»

عم صابر بصلي وقال:

— «عشان كانت عايزة تحميك.»

أنا ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة.

— «تحميني من إيه؟»

مريم نزلت رأسها.

عم صابر طوى الورقة شوية، وقال:

— «من نفسك.»

سكت الملعب.

ثم قال:

— «مراتك كانت عارفة إنها مش هتعيش. وكانت عارفة إنك بعد موتها هتعيش طول عمرك حاسس بالذنب.»

أنا بصيت للأرض.

وده كان حقيقي.

سنين طويلة وأنا بسأل نفسي:

هل كان ممكن أنقذها؟

هل كان لازم أوديها مستشفى تاني؟

هل قصرت؟

هل لو كنت تصرفت أسرع كانت هتعيش؟

لكن الرسالة كانت بتقول إن هي كانت عارفة إن موتها مش ذنبي.

عم صابر كمل:

— «هي قالتلي إنك لو عرفت كل حاجة مرة واحدة، هتنهار. عشان كده قالتلي أستنى لحد ما مريم تكبر.»

مريم قربت مني.

لكنها ما لمستنيش.

قالت بصوت متقطع:

— «بابا… أنا عرفت من سنة.»

بصيت لها.

— «عرفتي إيه؟»

قالت:

— «عرفت إن ماما كانت عارفة إنها هتموت.»

أنا هزيت رأسي بعنف.

— «مستحيل.»

— «هي كانت مريضة قبل الولادة، يا بابا.»

سكت.

مريم كملت:

— «الدكاترة قالولها إن الحمل والولادة خطر عليها جدًا.»

عم صابر قال:

— «وكان عندها اختيار.»

بصيتله.

— «اختيار إيه؟»

قال:

— «كانت تقدر تكمل إجراءات معينة وتُنهي الحمل، وده كان ممكن ينقذ حياتها.»

صوتي خرج مبحوح:

— «وهي…؟»

عم صابر رد:

— «اختارت مريم.»

أنا حسيت برجلي مش شيلاني.

رجعت أقعد.

مريم كانت بتعيط.

وقالت:

— «ماما اختارتني.»

عم صابر فتح الظرف مرة تانية.

— «وفي حاجة تانية.»

طلع صورة صغيرة قديمة.

ناولها لمريم.

مريم بصت للصورة، وبعدها جات ناحيتي ومدتهالي.

كانت صورة لمراتي وهي في المستشفى، حاملة مريم وهي لسه مولودة.

خلف الصورة كان مكتوب بخط إيدها:

**«أبوكي هيقولك إني كنت شجاعة… بس الحقيقة إني كنت خايفة جدًا.»**

دموعي نزلت لأول مرة قدام الناس.

عم صابر قال:

— «كانت خايفة تموت. وكانت خايفة تسيبك لوحدك. وكانت خايفة أكتر إن مريم تكبر من غير ما تعرف قد إيه أمها حبتها.»

ثم سحب ورقة صغيرة من داخل الظرف.

وقال:

— «ودي أهم حاجة.»

قرأ:

— «مريم، لو وصلتي لليوم ده، يبقى أبوكي نجح.»

بصيت لبنتي.

عم صابر كمل:

— «نجح لأنه عمل حاجة أنا ما كنتش أقدر أعملها. خلاكي تكبري من غير ما تحسي إنك يتيمة.»

ثم ابتسم ابتسامة حزينة.

— «أنا طلبت من صابر إنه يساعدك من بعيد. وكل مرة كان بيعمل حاجة صغيرة، كنت أفتكر إن أمك لسه موجودة.»

أنا بصيت لعم صابر.

فجأة افتكرت حاجات كنت طول عمري فاكرها صدفة.

لما مريم كانت في ابتدائي واتقطع شنطتها، ولقيت تاني يوم شنطة جديدة عند باب الفصل.

لما كانت بتخاف من المدرسة، وعم صابر كان يقف عند البوابة كل صباح ويقول لها:

«صباح الخير يا بطلة.»

لما اتخانقت مع واحدة في الإعدادي، وعم صابر قعد جنبها في الفناء لحد ما بطلت عياط.

لما مريم وقعت وهي بتجري في الملعب، وعم صابر كان أول واحد شالها.

أنا كنت فاكر إنه مجرد راجل طيب.

لكن الحقيقة؟

**كان بينفذ وعد قطعه لست ماتت من سبعتاشر سنة.**

بصيت لمريم وقلت:

— «طب ليه ما قلتيليش؟»

مسحت دموعها وقالت:

— «لأني كنت عايزة أعمل حاجة لماما.»

— «إيه؟»

قالت:

— «من كام شهر، لقيت الرسالة في صندوق قديم في بيت عم صابر. هو كان محتفظ بيها زي ما ماما طلبت. قريتها.»

ثم قالت:

— «ولما عرفت إن ماما كانت عايزة عم صابر يمشي معايا في يوم تخرجي، فهمت إنها كانت عايزة تشكره.»

أنا بصيت لعم صابر.

— «بس ليه ما قلتليش من زمان؟»

عم صابر ابتسم.

— «لأن الوعد كان وعد.»

ثم أضاف:

— «وأنا ما كنتش عايز آخد مكانك يا أستاذ محمود.»

الكلمة دي كسرتني.

قلت:

— «إنت عمرك ما كنت هتاخد مكاني.»

عم صابر سكت.

قلت وأنا بحاول أوقف دموعي:

— «إنت كنت بتحافظ على مكاني.»

الملعب كله كان ساكت.

وبعدين مريم قربت مني.

وقالت:

— «بابا… ممكن تيجي؟»

بصيت لها.

— «فين؟»

أشارت للمنصة.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!