روايات

اختفى 50 سنة بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

من وأنا في ثانوي، وأنا بوعد حبيبي إني مش هتجوز غيره… لكنه اختفى 50 سنة كاملة. ولما اتجوزنا أخيرًا، بصلي وقال: «كان لازم أختفي بسبب شخص إنتِ تعرفيه كويس جدًا.»

أنا وأحمد كنا مرتبطين ببعض من أيام الثانوية. وبعد ما خلصنا المدرسة، كل واحد فينا دخل كلية في محافظة مختلفة.

قبل ما نفترق، أحمد مسك إيدي وقال:

— «وعديني إننا بعد الكلية هنتجوز. استنيني.»

طبعًا وعدته. كنت بحبه أكتر من أي حاجة في الدنيا.

إحنا الاتنين ماكنّاش أغنيا، ومكنّاش قادرين نسافر لبعض كل شوية، فاتفقنا إننا نتقابل مرة كل سنة في كافيه صغير في القاهرة، في مكان تقريبًا في النص بين الكليتين بتوعنا.

وكل سنة يوم 15 أغسطس، كنت بسافر وأقعد مستنياه في نفس الكافيه.

أول سنتين، أحمد جه فعلًا.

لكن في السنة التالتة… أحمد ماجاش.

فضلت مستنياه بالساعات، لكنه اختفى تمامًا.

بعد فترة، قدرت أوصل لأهله، وقالولي إن الشرطة كانت بالفعل بتدور عليه.

أحمد اختفى ببساطة… من غير أي أثر.

عدّت خمسين سنة.

أنا كملت حياتي، لكن جزء مني فضل مستني أحمد. عمري ما حبيت حد تاني، وعمري ما قدرت أنسى وعدي ليه.

وكل سنة، يوم 15 أغسطس، كنت بروح نفس الكافيه في القاهرة وأقعد في نفس المكان، وأنا جوايا أمل صغير إنه في يوم من الأيام يرجع.

لحد ما حصلت المعجزة.

السنة دي، روحت الكافيه زي كل سنة.

وفجأة، راجل كبير في السن قرب مني.

شعره كله بقى أبيض، ووشه مليان تجاعيد، لكن رغم كل السنين…

عرفته فورًا.

كان أحمد.

قعد قدامي وبدأ يحكيلي إنه من خمسين سنة، اتعرض لحادثة بشعة، وفقد ذاكرته تمامًا. ماكنش فاكر هو مين، ولا جاي منين، ولا حتى اسمه الحقيقي.

وفي الوقت ده، مكنش فيه قواعد بيانات بصمات إلكترونية بالشكل الموجود دلوقتي، فمحدش قدر يعرف هويته.

اضطر يبدأ حياته من الصفر، من غير ما يعرف أي حاجة عن ماضيه.

لكن في الفترة الأخيرة، بدأت أجزاء من ذاكرته ترجع له واحدة واحدة.

وفجأة…

افتكرني.

افتكر اسمي.

وافتكر الكافيه.

بعد شهور قليلة، اتجوزنا في حفل صغير وسط عدد قليل من الناس، وقررنا نحتفل بطريقة بسيطة.

رجعنا لنفس الكافيه اللي استنيته فيه خمسين سنة.

كنا قاعدين قدام بعض، وأنا مش مصدقة إن الشخص اللي استنيته نصف قرن بقى أخيرًا جوزي.

لكن فجأة، أحمد بصلي بنظرة غريبة وقال:

— «في حاجة لازم أقولها لك… الحقيقة عن المكان اللي كنت فيه طول الخمسين سنة اللي فاتوا.»

حسيت بقلبي وقف.

قلتله:

— «يعني إيه؟»

اتنهد، وبص في عيني وقال:

— «مفيش حادثة حصلت.»

جسمي كله اتجمد.

— «إنت بتقول إيه؟»

مسك إيدي وقال:

— «أنا كذبت عليكي… لأن كان لازم أحميكي.»

سكت لحظة، وبعدها قال:

— «أنا اختفيت بسبب شخص واحد… شخص إنتِ تعرفيه كويس جدًا.»

وبصلي بنظرة عمرها خمسين سنة من الأسرار.

ثم قال:

— «إنتِ ماعندكيش أي فكرة عن اللي حصل بجد من خمسين سنة… والحقيقة أخطر بكتير مما تتخيلي.»

بصيت لأحمد وأنا مش قادرة أتكلم.

إيدي كانت بتترعش، وقلبي بيدق بسرعة.

قلتله:

— «مين الشخص ده؟»

أحمد فضل ساكت ثواني طويلة، وكأنه بيحاول يختار كلماته بعناية.

وبعدين قال:

— «أبوكي.»

اتجمدت مكاني.

— «أبويا؟!»

هز راسه.

— «أيوه… أبوكي.»

ضحكت من شدة الصدمة.

— «أحمد، إنت عارف إن أبويا مات من تلاتين سنة، صح؟»

— «عارف.»

— «وعارف كمان إنه كان أكتر شخص بيحبك وبيعتبرك زي ابنه؟»

— «وده بالضبط اللي خلاني أختفي.»

بصيتله بعدم تصديق.

— «مش فاهمة.»

أحمد أخد نفس عميق، وبعدين بدأ يحكي.

— «فاكرة آخر مرة اتقابلنا قبل ما أختفي؟»

هزيت راسي.

— «طبعًا.»

— «كنت راجع من الكلية، وروحت بيتكم عشان أشوف أبوكي. كنت عايز أطلب منه رسمي إننا نتجوز بعد التخرج.»

ابتسمت غصب عني.

— «أيوه… فاكرة إنك كنت ناوي تعمل كده.»

قال:

— «دخلت مكتب أبوكي، وكنت متوقع إنه يفرح. لكنه كان مستنيني ومعاه راجل معرفوش.»

سألته:

— «مين؟»

— «راجل اسمه فؤاد.»

الاسم خلاني أعبس.

— «فؤاد؟»

— «أيوه. ووقتها أبوكي قال لي إن فؤاد ده شريكه في مشروع كبير.»

سكت لحظة، ثم تابع:

— «لكن قبل ما أخرج من المكتب، سمعت حاجة مكنش المفروض أسمعها.»

— «إيه؟»

— «سمعت أبوكي وفؤاد بيتخانقوا.»

وبدأ صوت أحمد يتغير.

— «أبوكي كان بيقوله إنهم لازم يوقفوا كل حاجة، وإنه مش هيكمل في الموضوع ده مهما حصل.»

— «موضوع إيه؟»

— «فلوس… وتحويلات… وحسابات سرية.»

حسيت بقشعريرة في جسمي.

أحمد كمل:

— «فؤاد كان بيشتغل مع أبوكي في شركة استيراد وتصدير. لكن الشركة كانت واجهة لحاجة أكبر. كانوا بيهربوا فلوس بره البلد، ويزوّروا أوراق، ويستخدموا أسماء ناس ملهاش علاقة بالموضوع.»

حطيت إيدي على بقي.

— «وأبويا كان واحد منهم؟»

— «في البداية، أيوه. لكنه اكتشف بعد كده إن الموضوع أكبر مما كان متخيل. حاول ينسحب.»

— «وفؤاد؟»

— «هدده.»

سكت أحمد.

قلت:

— «وبعدين؟»

بصلي وقال:

— «أبوكي كان عايز يروح للشرطة.»

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

— «وإنت عرفت كل ده إزاي؟»

— «لأني كنت واقف برا المكتب وسمعت الكلام.»

وبعدين قال:

— «بس ده مش أسوأ حاجة.»

— «إيه الأسوأ؟»

أحمد قرب مني وقال:

— «فؤاد شافني.»

سكت.

— «عرف إني سمعت كل حاجة.»

ثم أضاف:

— «وفي الليلة دي، أبوكي قابلني لوحدي.»

افتكرت للحظة صورة والدي وهو بيقعد مع أحمد قبل اختفائه.

أحمد قال:

— «قالي: “لو بتحب بنتي بجد، لازم تختفي.”»

— «إيه؟!»

— «قال لي إن فؤاد مش هيسيبني أعيش لو عرف إني اتكلمت. والأهم… إنه ممكن يأذيكي إنتِ.»

بدأت الدموع تنزل من عيني.

— «ليه أبويا ماقالليش؟»

— «لأنه كان عارف إنك لو عرفتي، هتحاولي تدوري ورايا. وكان عارف إن ده ممكن يحطك في خطر.»

— «بس ليه ماحاولتش حتى تبعتلي؟!»

أحمد نزل عينه.

— «حاولت.»

رفعت عيني بسرعة.

— «إزاي؟»

— «كتبتلك جواب.»

— «أنا ماوصلنيش أي جواب.»

— «عارف.»

طلع أحمد من جيبه ظرف قديم، أصفر من الزمن.

ووضعه قدامي.

كان عليه اسمي.

إيدي بدأت ترتعش وأنا بمسكه.

فتحت الظرف ببطء.

جوا كان فيه جواب مكتوب بخط أحمد.

“حبيبتي…

لو وصلك الجواب ده، اعرفي إني لسه بحبك.

أنا مش سايبك بإرادتي.

ماتدوريش عليا.

ومهما حصل، اوعديني إنك تعيشي حياتك.

أنا هفضل أحبك حتى لو عشت عمري كله بعيد عنك.”

الدموع غطت عيني.

— «ليه الجواب ده ماوصلنيش؟»

أحمد قال:

— «لأن أبوكي أخده مني.»

بصيتله مصدومة.

— «أبويا؟»

— «أيوه. قال لي إن وصول الجواب ليكي هيخليكي تدوري ورايا. وكان عايز يحميكي.»

مسحت دموعي.

— «وبعدين حصل إيه؟»

أحمد سكت فترة.

— «سافرت من القاهرة في نفس الليلة.»

— «وبعدين الحادثة؟»

— «مفيش حادثة.»

— «طب إيه اللي حصل؟»

قال:

— «فؤاد لحقني.»

بدأ يحكي بصوت منخفض.

— «كنت في محطة القطار. لقيت اتنين من رجاله مستنيني. ضربوني وأخدوني لمكان بعيد. كانوا عايزين يعرفوا أنا سمعت إيه.»

— «يا نهار أبيض…»

— «لكن قبل ما يوصلوا ليا، قدرت أهرب.»

— «وبعدين؟»

— «هربت من المكان وأنا مصاب. ركبت أول قطار لقيته، ومن شدة النزيف فقدت الوعي.»

— «ولما فوقت؟»

— «ماكنتش فاكر حاجة.»

بصيتله.

— «ولا حتى أنا؟»

هز راسه بحزن.

— «ولا حتى إنتِ.»

فضلنا ساكتين.

بعدها قال:

— «سنين طويلة وأنا عايش باسم تاني. اشتغلت، واتجوزت؟»

قلبي اتقبض.

لاحظ خوفي، فقال بسرعة:

— «لا. مااتجوزتش.»

تنفست براحة.

— «كنت دايمًا حاسس إن في حد ناقص في حياتي. حاجة كبيرة ضاعت مني. لكن ماكنتش عارف إيه هي.»

— «ولما ذاكرتك بدأت ترجع؟»

— «افتكرت اسمك الأول.»

ابتسم بحزن.

— «وبعدها افتكرت يوم 15 أغسطس.»

بصيت للكافيه من حوالينا.

— «وعرفت إنك هتكوني هنا.»

— «كنت متأكد؟»

— «لا.»

ابتسم.

— «كنت خايف جدًا إنك تكوني اتجوزتي، أو حتى ماتكونيش عايشة.»

قلتله:

— «لكن أنا كنت هنا.»

— «كل سنة.»

هزيت راسي.

— «كل سنة.»

أحمد مسك إيدي.

— «أنا كنت عارف إن احتمال إني ألاقيكي ضعيف جدًا. لكن كان لازم أحاول.»

سكت لحظة، وبعدين قال:

— «لكن في حاجة تانية.»

بصيتله.

— «إيه؟»

— «فؤاد لسه عايش.»

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!