روايات

رجعت بعد 18 سنة بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

من اسمي **محمود**، عندي 42 سنة، ولحد دلوقتي مش قادر أستوعب اللي حصل يوم الخميس اللي فات.

من 18 سنة، **سارة** سابت البيت، وسابتني لوحدي مع بنتينا التوأم، **ملك ومريم**، اللي اتولدوا مكفوفين.

هي اختارت تمشي ورا حلمها إنها تبقى ممثلة، وسابتني أربي البنتين لوحدي. الدنيا كانت صعبة جدًا، بس إحنا قدرنا نكمل. وطول عمري كنت حريص إنهم يحسوا إنهم محبوبين، وإنهم مش ناقصهم حاجة.

علمتهم الخياطة، وكنا بنقضي وقتنا سوا نعمل هدوم وفساتين من الأقمشة القديمة والمستعملة. كان ده عالمنا الصغير اللي بنحس فيه بالأمان والسعادة.

في الصبح، جرس الباب رن.

ماكنتش مستني حد. فتحت الباب، ولقيت **سارة** واقفة قدامي.

بصت على شقتنا المتواضعة بنظرة مليانة احتقار، ووشها اتكشر كأنها شايفة قدامها دليل على الفشل.

وقالت:

**”محمود… إنت لسه زي ما إنت؟! لسه عايش في الزريبة دي؟! إنت المفروض راجل! تكسب فلوس كتير، وتبني إمبراطورية!”**

وبعدين عينيها راحت على ترابيزة الخياطة، اللي كانت مليانة أقمشة، وعلى الفساتين اللي بنتيّا كانوا مخلصينها من كام ساعة.

أنا ما اتكلمتش.

سيبتها تشوف كل حاجة بنفسها.

وفجأة، مدت للبنتين شنطة كبيرة مليانة حاجات، وقالت لهم:

**”خدوا دي… بس بشرط واحد.”**

لما فتحت الشنطة وشوفت اللي جواها، اتجمدت مكاني.

إيدين **ملك ومريم** فضلوا ممدودين في الهوا، من غير ما يكونوا فاهمين الخدعة اللي **سارة** كانت بتحضرها لهم.

“خدوا دي… بس بشرط واحد.”

مدّت سارة إيدها جوه الشنطة، وطلعت منها مجموعة أقمشة غالية جدًا، ومعاها ماكينة خياطة حديثة، وأدوات تفصيل شكلها كان واضح إنها غالية.

ملك لمست القماش بإيديها، وقالت بابتسامة:

“يا بابا… القماش ده ناعم أوي.”

أما مريم فقالت:

“ماما، إنتِ جايبة لنا الحاجات دي ليه؟”

سارة ابتسمت ابتسامة غريبة.

“عشان إنتوا موهوبين… وأنا عايزة أساعدكم.”

بصيت لها باستغراب.

“والمقابل؟”

رفعت حاجبها وقالت:

“قلت لهم الشرط، مش كده؟”

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

“أنا عندي حفلة كبيرة الأسبوع الجاي في القاهرة. هكون فيها قدام ناس مهمة جدًا في مجال الفن والموضة. عايزة الفساتين اللي هتلبسها تكون من تصميم ملك ومريم.”

اتصدمت.

“يعني إيه؟”

ضحكت باستخفاف.

“يعني عايزة أستفيد من موهبتهم. إنت بنفسك علمتهم الخياطة، صح؟ يبقى خليك ذكي واستغل الفرصة.”

ملك سألتها:

“ولو عملنا الفساتين؟”

سارة ردت بسرعة:

“هديكم كل القماش والمعدات دي، وكمان هديكم مبلغ كبير.”

مريم سألت:

“وهنكتب أسماءنا على التصميمات؟”

هنا سارة سكتت.

وبعدين قالت:

“لأ.”

“ليه؟”

“عشان الناس اللي هتشتري الفساتين لازم تعرف إنها من تصميمي.”

حسيت الدم بيغلي في عروقي.

قلت لها:

“إنتِ عايزة تسرقي تعب بناتي؟”

بصت لي ببرود.

“سرقة إيه يا محمود؟ أنا أمهم.”

ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.

“أمهم؟ بعد 18 سنة؟”

سارة اتضايقت.

“أنا كنت بحاول أبني مستقبلي.”

قلت لها:

“وإحنا كنا بنبني مستقبلنا من غيرك.”

سكتت، لكن قبل ما تمشي، قالت:

“فكر كويس. أنا ممكن أخلي الفساتين دي توصل لأشهر ناس في مصر. بناتك ممكن يبقى ليهم مستقبل.”

قفلت الباب وراها.

فضلت واقف مكانّي فترة طويلة.

ملك قالت بهدوء:

“بابا…”

“نعم يا حبيبتي؟”

“هي كانت بتتكلم عننا كأننا مش موجودين.”

مريم مسكت إيدي.

“إحنا مش محتاجينها.”

قعدت بينهم وحضنتهم.

“أنا مش هخلي حد يستغل تعبكم.”

لكن في اليوم اللي بعده، حصلت حاجة ماكنتش متوقعها.

صحيت الصبح على صوت ماكينة الخياطة.

نزلت الصالة، ولقيت ملك ومريم شغالين على التصميمات اللي طلبتها سارة.

قلت لهم:

“إنتوا بتعملوا إيه؟”

ملك ردت:

“إحنا مش هننفذ طلبها.”

مريم كملت:

“إحنا بنعمل تصميماتنا إحنا.”

بصيت لهم بفخر.

كانوا بيشتغلوا من غير ما يشوفوا الألوان أو شكل القماش، لكنهم كانوا بيعتمدوا على اللمس والملمس والذاكرة.

كان عندهم طريقة خاصة جدًا.

كل قطعة قماش كانت بالنسبة لهم إحساس.

وبعد أسبوع، كان عندنا خمس فساتين.

مش مجرد فساتين.

كانت تحف فنية.

أنا صورتها بالموبايل، وبعت الصور لمصممة أعرفها في القاهرة كانت بتتعامل معانا من فترة في شراء بعض الشغل اليدوي.

اسمها نادين.

بعد أقل من ساعة، تليفوني رن.

“محمود، إنت فاهم إنت باعتلي إيه؟”

قلت:

“فساتين بناتي.”

قالت:

“دي مش فساتين عادية. دي ممكن تدخل بيها مسابقة تصميم.”

وبعد يومين، كانت نادين عندنا في البيت.

قعدت مع ملك ومريم ساعات طويلة.

وبعد ما مشيت، قالت لي:

“أنا عايزة أعرض شغلهم في معرض كبير.”

وافقت.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت ليلة المعرض.

سارة كانت موجودة.

ولما شافت الفساتين، وشها اتغير.

قربت مني وقالت:

“إنت عملت إيه؟”

قلت:

“أنا؟ ولا بناتي؟”

قالت بعصبية:

“دي التصميمات اللي طلبتها منهم!”

رديت:

“لأ. دي تصميماتهم هم.”

سارة بصت ناحية ملك ومريم.

“إنتوا وعدتوني!”

ملك ردت بهدوء:

“إحنا ما وعدناكيش بحاجة. إنتِ اللي قلتي إنك هتساعدينا بشرط إننا ننفذ لك.”

سارة حاولت تتكلم، لكن مريم سبقتها:

“وبعدين… إحنا عرفنا إنك كنتِ ناوية تاخدي الفضل كله لنفسك.”

الناس بدأت تلتفت.

سارة اتوترت.

لكن نادين تقدمت وقالت:

“والحقيقة إن التصميمات دي مسجلة باسم ملك ومريم من قبل العرض.”

سارة بصت لها بصدمة.

“إيه؟!”

نادين ابتسمت.

“أيوه. وحقوق التصميم محفوظة لهم.”

لأول مرة من يوم ما رجعت، سارة ما لقتش حاجة تقولها.

بعد المعرض، حصلت حاجة ماكنتش أحلم بيها.

واحدة من أكبر دور الأزياء في القاهرة عرضت على بناتي تدريبًا ومنحة لتطوير موهبتهما.

والأجمل إنهم ماطلبوش مني أتنازل عن أي حاجة.

قالوا:

“إحنا عايزين نساعدهم لأن الموهبة دي تستحق فرصة.”

رجعنا البيت في نفس الليلة.

ملك حطت إيدها على كتفي وقالت:

“بابا، إنت زعلان إن ماما رجعت؟”

بصيت لها.

“لأ.”

“طب إنت سامحتها؟”

سكت شوية.

وبعدين قلت:

“المسامحة حاجة، والثقة حاجة تانية.”

مريم سألت:

“يعني ممكن نديها فرصة؟”

بصيت للبنتين.

“القرار قراركم. بس لو هتدخلكم حياتكم تاني، لازم تدخلها كأم… مش كصاحبة مصلحة.”

بعد كام يوم، سارة جت لنا مرة تانية.

المرة دي ماكانش معاها شنطة غالية، ولا كلام عن الشهرة.

قعدت قدام بناتها وبدأت تعيط.

قالت:

“أنا ضيعت 18 سنة.”

ملك سكتت.

مريم قالت:

“أيوه.”

سارة بصت لهم وقالت:

“أنا كنت أنانية وخوفت أفشل، فهربت. وكل سنة كنت بقول لنفسي إني هرجع… لحد ما السنين عدت.”

أنا ما تدخلتش.

كان لازم المواجهة دي تحصل بينهم.

سارة مسكت إيد ملك.

“أنا آسفة.”

ملك سحبت إيدها بهدوء.

“أنا محتاجة وقت.”

وبعدين مسكت إيد مريم.

“وإنتِ؟”

مريم قالت:

“أنا كمان.”

سارة هزت راسها وهي بتعيط.

“هستنا.”

ومشت.

بعد ما الباب اتقفل، ملك قربت مني وقالت:

“بابا…”

“نعم؟”

“إنت عارف إننا مش هننسى اللي عملته.”

قلت:

“عارف.”

“بس يمكن… في يوم نسامحها.”

ابتسمت.

“يمكن.”

وبعدها بصيت لترابيزة الخياطة.

نفس الترابيزة القديمة.

نفس المكان اللي قضينا عليه سنين.

لكن المرة دي، كانت فوقه أول مجموعة تصميمات تحمل اسم:

**ملك ومريم.**

وقتها فهمت إن الست اللي سابتني من 18 سنة كانت فاكرة إنها سابت عيلة فقيرة ومكسورة.

لكن الحقيقة إنها سابت بنتين صغيرتين ماكانوش يعرفوا الدنيا شكلها إيه…

ورجعت بعد 18 سنة تكتشف إنهم قدروا يشوفوا مستقبلهم أحسن من ناس كتير بتشوف بعنيها.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!