روايات

فاتورة الأخوة بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

أخويا كلّمني يوم التلات بالليل، وأول ما ردّ عليا قال:

“ها، أخبار تدويرك على شقة إيه؟”

الجملة دي لوحدها كان المفروض تفهّمني كل حاجة.

أنا كنت سيبت شقتي في شهر مارس، وقعدت عند واحد صاحبي مؤقتًا لحد ما ألاقي مكان ثابت.

ومحمود كان عارف ده كويس.

بل بالعكس، كان بيجيب سيرة الموضوع في كل مناسبة عائلية تقريبًا، وقدام الكل، وبنبرة كلها اهتمام مصطنع.

قال لي:

“بص، أنا ومراتي نادين مسافرين إسكندرية. عشرة أيام. ومش عايز أحط الكلاب في بنسيون، خصوصًا إن روكي كبر في السن ومبقاش يستحمل.”

قلت له إني لازم أشوف مواعيد شغلي الأول.

رد بسرعة:

“دي مش شغلانة أصلًا يا عم. إنت هتبات في البيت. أربع أوض، جنينة، والبيت كله هيبقى تحت إيدك.”

وسكت شوية، وبعدين قال:

“بصراحة، إنت كده بتعمل مصلحة لنفسك أكتر مننا.”

كان عنده كلبين.

روكي، كلب روت وايلر عنده 12 سنة، وبيحتاج دوا مرتين كل يوم.

ولولو، كلبة سبانيل بتخاف جدًا من أرضية المطبخ.

يعني أربع مشاوير كل يوم، والبيت كان على بعد حوالي 40 دقيقة من شغلي، وفي الاتجاه العكس تمامًا.

وافقت.

مش عشان محمود.

عشان روكي.

أنا عارفه من وهو عنده تمن أسابيع، وهو أصلًا مش بيرتاح مع أي حد غريب عليه.

محمود قال:

“إنت راجل عشرة على عشرة! بجد، إنت موفر علينا حوالي 600 جنيه.”

وصلت يوم الجمعة بالليل، وأنا شايل شنطتي على كتفي.

أول ما دخلت، الكلبين عملوا دوشة وفرحوا بشكل جنوني.

البيت كان فيه إحساس غريب… إحساس البيت اللي أصحابه مشيوا منه خلاص.

مفتاح الباب الاحتياطي كان محطوط على ترابيزة المطبخ.

وجنبه ورقة مقاس A4.

ومغلفة بالبلاستيك.

محمود كان مغلفها مخصوص.

قهوة — 60 قرش للكوباية.

لبن — 30 قرش لكل مرة.

عيش — 40 قرش للرغيف.

بيضة — 50 قرش.

غسيل، شامل المسحوق والكهربا — جنيهين للغسلة.

الاستحمام أكتر من 10 دقايق — جنيه ونص.

وفي آخر الورقة، بخط إيده، كان كاتب:

“بس سجّل كل حاجة أول بأول، ونحاسب بعض لما نرجع! 😊”

الابتسامة دي تحديدًا هي أكتر حاجة لحد دلوقتي مش قادر أنساها.

فضلت واقف مكاني، والشنطة لسه على كتفي، وببص للورقة فترة طويلة.

وبعدين اتصلت بيه.

كان لسه هو ونادين عند بوابة المطار.

قال وهو بيضحك:

“شوفت الليست؟”

قلت:

“آه.”

قال:

“ماتكبرش الموضوع. دي بس عشان محدش يطلع من جيبه حاجة.”

قلت له:

“أنا بقالي عشرة أيام هشتغل من غير فلوس في بيتك.”

رد:

“يا عم إنت قاعد ببلاش في بيت أربع أوض.”

قلت:

“أنا اتطلب مني أقعد مع الكلاب، مش أأجر أوضة.”

قال:

“وأنا مش باخد منك إيجار، صح؟ أنا بس بحسب عليك اللي بتستخدمه. إيه المشكلة؟ ده العدل.”

وبعدين سمعت صوته وهو بيبعد التليفون شوية وبيكلم نادين، بس مش بعيد كفاية إني ما أسمعش.

قال لها:

“هي بتعمل الحركة بتاعتها.”

سكت لحظة.

وبعدين:

“لأ… هي بتعمل الحركة بتاعتها.”

بعدها هما ركبوا الطيارة.

وأنا أكلت الكلاب.

وقضيت العشرة أيام كلها زي ما اتفقنا بالظبط.

اهتميت بروكي ولولو، اديت روكي أدويته في مواعيدها، مشيتهم، أكلتهم، ونضفت وراهم.

وكان المفروض محمود ونادين يرجعوا يوم الأحد الساعة أربعة ونص العصر.

يوم السبت، نضفت البيت كله كويس جدًا.

أنضف حتى من وقت ما استلمته.

شلت شعر الكلاب من كل حتة.

غيرت الملايات.

شغلت غسالة الأطباق.

ومشيت الكلبين آخر مشوار ليهم.

وبعدها أكلتهم وسيبت كل حاجة جاهزة.

وبعدين رتبت ترابيزة المطبخ كأنها متجهزة لاستقبال ضيف.

حطيت ورقة الأسعار المغلفة بالبلاستيك في مكانها بالظبط، مستقيمة على حافة الترابيزة.

وحطيت مفتاح البيت فوقها.

وجنبهم حطيت حاجة كنت قضيت ليلتين كاملين بجهزها.

كانت مطبوعة، وحاططها في ظرف مكتوب عليه اسم محمود.

خرجت الساعة تلاتة، وروحت من طريق أطول عشان ما أكونش موجود وقت ما التاكسي يوصل.

الساعة 4:52، تليفوني رن.

كان محمود.

اترديت.

ومن أول كلمة قالها، عرفت إن اللي شافه على ترابيزة المطبخ كان كفيل إنه يغيّر كل حاجة.

محمود قال بصوت متوتر:

“إنت مشيت؟”

قلت:

“آه، مشيت من بدري.”

سكت ثانيتين، وبعدين قال:

“إيه اللي سايبه هنا؟”

قلت:

“افتح الظرف.”

سمعت صوت الورق وهو بيتفتح.

وبعدها صمت طويل.

أخيرًا قال:

“إيه ده؟”

قلت:

“الحساب.”

ضحك ضحكة قصيرة، بس كانت باينة إنها ضحكة عصبية.

“إنت بتهزر؟”

قلت:

“لأ. إنت اللي قلت نسجل كل حاجة ونحاسب بعض.”

قعد ساكت.

قلت:

“بص، أنا سجلت كل حاجة استخدمتها خلال العشرة أيام.”

وبدأت أقرأ له:

“أربعين دقيقة مواصلات زيادة كل يوم، عشرة أيام. أجرة المشاوير حسبتها بسعر البنزين والمواصلات وقتها.”

“ده مش موجود في الليست بتاعتك.”

“عارف. كملت باقي الحساب.”

سكت.

قلت:

“أكل الكلاب، مشاويرهم، الأدوية، تنظيف البيت، تغيير الملايات، تشغيل غسالة الأطباق، واستخدام الكهرباء عشان التكييف أثناء وجود الكلاب…”

قاطعني:

“استنى، إنت بتحاسبني على كل ده؟”

قلت:

“أنا حسبت الليست بتاعتك بنفس منطقها.”

قال بعصبية:

“يا أخي ده كان هزار!”

قلت:

“غريبة. لما أنا كنت واقف في المطبخ وقريتها، ماكانش باين عليها هزار.”

سكت تاني.

قلت:

“بس أنا ماحسبتش وقتي.”

“ولا وقت السفر اللي ضيعته في المشاوير.”

“ولا إني كنت ببات في بيتك عشان أخدم كلابك.”

“ولا حتى إني أجلت موضوع الشقة بتاعتي عشرة أيام.”

“أنا حسبت بس الحاجات اللي إنت نفسك قررت إنها تستاهل فلوس.”

سمعته بيتنفس بصوت عالي.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!