
بعد ما خلفت، أخدت بنتي وروحت بيها عشان أقابلها لجدها اللي رباني، بس أول ما شاف وشها، انفجر في العياط وقال: «ده مستحيل… إنتِ مش متخيلة إنتِ عملتي إيه.»
جدي كان الأب الوحيد اللي عرفته في حياتي، بعد ما أبويا وأمي ماتوا في حادثة عربية.
وعشان كده، لما حملت وأنا عندي 27 سنة، والراجل اللي بحبه اختفى في نفس الليلة اللي قلتله فيها إني حامل، جدي هو اللي وقف جنبي ولمّني.
عمره ما قابل كريم. وأنا كنت كل شوية أأجل إني أعرّفه عليه، وأقول لنفسي إن لسه قدامنا وقت كتير، خصوصًا لما علاقتنا تبقى جد أكتر.
لكن بعد ما كريم اختفى من غير حتى ما يودعني، جزء مني حس براحة إنه ماقابلش جدي أصلًا.
جدي مسك إيدي وقال لي:
«إنتِ بس جيبي البنت للدنيا يا حبيبتي، وإحنا هنحل كل حاجة بعدين.»
هو اللي بنى السرير بإيده، وكان بيوصلني للدكاترة والمستشفى في كل مواعيدي، وعيط من الفرحة لما عرفنا إني حامل في بنت.
لكن وقت الولادة، الدنيا اتقلبت.
اليومين اللي كنت المفروض أقعدهم في المستشفى اتحولوا تقريبًا لأسبوعين، لأن بنتي الصغيرة، نورا، كانت بتحارب عشان تعيش.
لكن من أول لحظة شلتها فيها، كان فيه حاجة مستحيل ماخدش بالي منها.
نورا كانت شبه كريم بشكل يخض.
نفس الشعر الكيرلي الغامق.
نفس الغمازة الصغيرة في دقنها.
ونفس عينيه الغريبة جدًا.
عين زرقا فاتحة.
والتانية بني غامق لدرجة إنها كانت بتبان تقريبًا سودا.
وأخيرًا، لما الدكاترة سمحولي أخرج ونورا بين إيديا، ركبت عربيتي وروحت على طول عند جدي في بيته في المنصورة.
كان واقف في البلكونة أول ما وصلت.
ولما شافني، قام بسرعة لدرجة إن فنجان القهوة وقع منه واتكب على الأرض.
وقال وهو بيضحك:
«أهو دول حبايبي البنات!»
حطيت نورا بين إيديه.
لكن ابتسامته اختفت فجأة.
فضل يبص في عين، وبعدين في التانية.
ولون وشه اتغير، وبقى شاحب بشكل خوّفني.
«جدي؟»
إيديه بدأت تترعش.
وسألني بصوت متقطع:
«أبوها مين؟»
اتجمدت مكاني.
«إيه؟»
قال وهو بيبصلي بحدة:
«الراجل اللي كنتِ مرتبطة بيه… اسمه إيه؟»
قلت:
«كريم… ليه؟»
جدي بصلي بنظرة عمري ما شفتها في عينيه قبل كده.
وقال وهو مصدوم:
«يا نهار أسود… إنتِ أصلًا مش فاهمة إنتِ عملتي إيه! ليه ماقولتيليش هو مين؟»
ضم نورا لصدره أكتر، وفضل مركز في عينيها كأنه شايف قدامه شبح حد يعرفه.
بدأت أسوأ الأفكار تلف في دماغي.
قلتله وأنا تقريبًا مش قادرة أتنفس:
«جدي، إنت بتتكلم عن إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.»
جدي قفل عينيه.
ولما فتحهم، كانت الدموع نازلة على وشه.
وقال بصوت مكسور:
«أنا أصلًا ماكانش ينفع أقولك الكلام ده… أمك خلتني أوعدها إني عمري ما أحكيلك.»
حسيت إن جسمي كله تلج.
وبعدين بصلي وقال:
«بس بعد الغلطة اللي إنتِ عملتيها… مبقاش قدامي اختيار.»
جدي مسح دموعه بإيده، وقعد على الكرسي وهو لسه شايل نورا، وكأنه خايف يحطها بعيد عنه.
قلتله وأنا صوتي بيرتعش:
«غلطتي إيه يا جدي؟ إنت خوفتني! كريم عمل إيه؟»
رفع عينه ليا وقال:
«كريم مش مجرد الراجل اللي اختفى منك بعد ما عرف إنك حامل.»
حسيت قلبي وقع.
«أمال مين؟»
جدي أخد نفس طويل وقال:
«كريم هو ابن أخت أمك.»
فضلت باصة له كأني مش فاهمة كلامه.
«إيه؟»
هز راسه.
«أيوه… كريم ابن خالتك.»
صرخت:
«إنت بتقول إيه؟!»
نورا بدأت تعيط، فجدي ضمها لصدره بسرعة وحاول يهديها.
أنا رجعت لورا وأنا بحط إيدي على بوقي.
«مستحيل… مستحيل يا جدي. أمي عمرها ما قالتلي إن ليها أخت.»
«عشان أختها ماتت وهي صغيرة… وإحنا كنا فاكرين إن كريم مات معاها.»
بصيت له وأنا مش قادرة أستوعب.
«طب إزاي؟ إزاي كريم ظهر في حياتي أصلًا؟»
جدي نزل عينه للأرض.
«لأن كريم ماكانش عارف الحقيقة هو كمان.»
«يعني إيه؟»
«بعد وفاة أخت أمك، ابنها اتاخد من المستشفى واتحط في دار رعاية. أمك حاولت تدور عليه سنين، لكن كل اللي كانت تعرفه إن الطفل اختفى. ولما اتجوزت أبوكي، قررت تدفن الموضوع كله.»
دموعي نزلت.
«بس إنت كنت عارف؟»
جدي سكت.
وسكوته كان أقسى من أي إجابة.
صرخت فيه:
«إنت كنت عارف؟!»
قال بصوت مكسور:
«عرفت بعد وفاة أمك بشهور. لقيت جواب كانت سايباه ليا.»
«وجواب إيه؟»
دخل جدي البيت، وطلع صندوق خشب قديم من دولاب صغير.
فتحه بإيد بتترعش، وطلع منه ظرف أصفر.
مدهولي.
على الظرف كان مكتوب بخط أمي:
**”لو في يوم قابلتي كريم…”**
إيدي بدأت تترعش وأنا بفتحه.
جوا الظرف كانت فيه صورة قديمة لطفل صغير.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب وراها:
**”ده ابني… لو رجع، لازم تعرفوا الحقيقة قبل فوات الأوان.”**
بصيت للصورة.
وبعدين بصيت لنورا.
وفجأة لاحظت حاجة خلت الدم ينسحب من وشي.
الصورة كانت لطفل عنده حوالي خمس سنين.
وكان عنده نفس العينين المختلفتين.
عين زرقا…
وعين بنية غامقة.
همست:
«كريم كان عارف؟»
جدي هز راسه.
«مش عارف كل الحقيقة.»
«أمال اختفى ليه؟»
سكت شوية، وبعدين قال:
«عشان قبل ما يختفي بيوم واحد، قابل حد من عيلتنا.»
«مين؟»
جدي بص ناحية الباب.
«أبوكي.»
اتجمدت.
«أبويا مات من سنين.»
«عارف.»
«أمال قابله إزاي؟»
جدي قرب مني وقال:
«لأن أبوكي ماكانش مات في حادثة العربية زي ما أمك قالتلك طول عمرك.»
وقعت مني الصورة على الأرض.
«إنت بتقول إيه؟»
جدي مسك إيدي وقال:
«حاد-ثة العربية كانت حقيقية… بس موت أبوكي وأمك ماكانش حادث.»
سكت لحظة، وبعدين قال الجملة اللي غيرت حياتي كلها:
«حد قت-ل-هم… لأنهم كانوا على وشك يقولوا لك الحقيقة عن كريم.»
جدي ماكملش كلامه، كأنه كان بيحاول يلاقي طريقة يقول بيها الحقيقة من غير ما يهد حياتي أكتر.
قلتله:
«مين قتلهم؟»
بص لنورا اللي كانت نايمة في حضنه، وبعدين بصلي.
«مش عارف.»
صرخت:
«مش عارف؟! إنت لسه قايل إنهم اتقتلوا!»
هز راسه وقال:
«أنا متأكد إن اللي حصل ماكانش حادث عادي. بعد موتهم، لقيت حاجات في بيتهم اتشالت. أوراق، صور، وكل حاجة تخص أخت أمك.»
«طب ليه ماقولتليش؟»
«كنت خايف عليكي.»
«من مين؟»
جدي سكت.
وبعدين قال:
«من نفس الشخص اللي خلى كريم يختفي.»
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
«كريم فين دلوقتي؟»
جدي بصلي للحظة طويلة.
«مش عارف.»
«يعني ممكن يكون مات؟»
«ممكن.»
دموعي نزلت وأنا ببص لنورا.
«بس ليه؟ ليه حد يعمل كل ده؟»
جدي مد إيده للصندوق الخشب، وطلع ورقة قديمة مطوية.
وقال:
«عشان كريم ماكانش مجرد ابن أخت أمك.»
فتحت الورقة.
كانت شهادة ميلاد قديمة.
والاسم المكتوب عليها كان:
**كريم محمود عبدالسلام.**
لكن تحت الاسم كان فيه اسم الأب.
قرأت الاسم مرة.
وبعدين مرة تانية.
واتسمرت مكاني.
الاسم كان اسم أبويا.
رفعت عيني لجدي وأنا مش قادرة أتكلم.
«ده… ده معناه إيه؟»
جدي قال بصوت مكسور:
«معناه إن كريم كان أخوكي.»
حسيت الدنيا بتلف بيا.
«أخويا؟!»
«أيوه.»
«بس إنت قلت إنه ابن خالة أمي!»
«أنا كنت بحاول أقولك الحقيقة واحدة واحدة.»
«لا! إنت كنت بتكدب عليا!»
جدي بدأ يعيط.
«أمك كانت حامل فيكِ بعد ما كريم اتولد. لكن قبل ولادتك، حصلت مشكلة كبيرة. أبوكي كان خايف إن الحقيقة تظهر، لأن كريم كان ابنه من علاقة قديمة قبل جوازه من أمك.»
بصيت لنورا، وبعدين للشهادة.
كل حاجة بدأت تتجمع في دماغي.
عيني نورا المختلفتين.
اختفاء كريم.
الخوف اللي شوفته في عيني جدي.
وموت أبويا وأمي.
قلت بصوت ضعيف:
«يعني أنا كنت بحب أخويا… وأنا ماكنتش عارفة؟»
جدي غمض عينيه، والدموع نزلت على خده.
«إنتِ ماكنتيش تعرفي. وهو كمان ماكنش يعرف.»
سكتنا لحظات.
وفجأة تليفوني رن.
رقم غريب.
بصيت للشاشة، وماعرفتش ليه حسيت إن المكالمة دي مرتبطة بكل حاجة.
رديت.
مافيش صوت.
قلت:
«ألو؟»
سمعت نفسًا متقطعًا من الناحية التانية.
وبعدين صوت راجل مبحوح:
«إنتِ عند جدك؟»
قلبي وقف.
كان صوت كريم.
قلت:
«كريم؟!»
سكت لحظة، وبعدين قال:
«اسمعيني كويس… ما تثقيش في جدك.»
بصيت لجدي، اللي كان واقف قدامي.
وفي نفس اللحظة، لاحظت حاجة على وشه.
الخوف.
مش الحزن.
الخوف الحقيقي.
كريم كمل:
«هو مش الشخص اللي فاكرة إنه هو.»
وبعدين المكالمة اتقطعت.
يتبع
