
قلت:
“ابني مكنش يعرف حاجة عن ده. والله ما طلب منه أي حاجة.”
كريم رد:
“أنا عارف. بس ده مش معناه إننا هنسيب حقنا.”
المحامي رفع إيده وقال:
“محدش هياخد حاجة. وصية والدك واضحة وقانونية، وكل الأوراق موجودة.”
ثم أخرج ملفًا كبيرًا من حقيبته.
وقال:
“لكن قبل ما يحصل أي اعتراض، لازم تعرفوا السبب.”
فتح الملف، وطلع منه صورة قديمة.
مدها ليوسف.
كانت صورة لعم محمود وهو أصغر سنًا، واقف جنب شاب في العشرينات.
يوسف بص للصورة وقال:
“مين ده؟”
المحامي رد:
“ابنه.”
يوسف استغرب.
“بس ده مش كريم؟”
المحامي هز رأسه.
“لأ. أخو كريم الأكبر.”
أنا بصيت للصورة.
الراجل كان شبه عم محمود بشكل واضح.
المحامي قال:
“ابنه الأكبر مات من حوالي عشرين سنة. ومن بعدها عم محمود اتغير تمامًا.”
ثم سحب ورقة تانية.
“وكان عنده حلم واحد.”
يوسف سأل:
“إيه؟”
المحامي قال:
“كان عايز يحوّل البيت لمكان يساعد الشباب اللي ظروفهم صعبة.”
كريم قاطعه:
“بس أبويا ما قالناش الكلام ده!”
المحامي رد:
“لأنه كان خايف إنكم تبيعوا البيت بعد وفاته.”
ثم نظر إلى يوسف.
“وعشان كده كتب شرطًا في الوصية.”
يوسف بلع ريقه.
“شرط إيه؟”
المحامي ابتسم.
“البيت مش ملكك بالكامل لمجرد إنك تستلمه. أنت قدامك اختيار.”
سكت الجميع.
“لو عايز تبيع البيت، تقدر. لكن لو اخترت تحتفظ بيه وتحوله لمكان يساعد الناس، هتستلم كمان الحساب البنكي اللي خصصه عم محمود للمشروع.”
يوسف سأل:
“حساب فيه كام؟”
المحامي قال الرقم.
ولأول مرة من بداية الجنازة، حتى كريم سكت.
كان المبلغ كافيًا لشراء معدات، وترميم البيت، وتأسيس المكان لسنوات.
يوسف فضل ساكت.
وبعدين قال:
“أنا مش عايز البيت.”
المحامي رفع حاجبه.
“إزاي؟”
يوسف بص ناحية أولاد عم محمود وقال:
“ده بيت عيلتهم. أنا كنت بقص النجيلة بس.”
كريم بص له باستغراب.
يوسف كمل:
“أنا مش عايز آخد حاجة مش بتاعتي.”
المحامي ابتسم.
“وده بالضبط السبب اللي خلاه يختارك.”
ثم طلع ظرف صغير آخر.
“قال لي لو قلت الجملة دي، أديك ده.”
يوسف فتحه.
جواه مفتاح صغير، ومعاه ورقة.
قرأ:
“يا يوسف، لو اخترت الناس بدل الفلوس، يبقى أنت فهمتني.”
“المفتاح ده لخزانة في أوضة مكتبي.”
“جواها حاجة تخصك.”
في اليوم التالي، رحنا مع المحامي لبيت عم محمود.
فتحنا المكتب.
كان كل شيء مرتبًا، كأنه كان مستني اللحظة دي.
فتح يوسف الخزانة.
جواها كان فيه صندوق خشبي قديم.
فتحه.
ولما شاف اللي جواه، بدأ يبكي.
كانت ماكينة نجيلة قديمة.
وتحتها صورة مطبوعة ليوسف وهو عنده 14 سنة، واقف قدام بيت عم محمود وهو بيقص النجيلة لأول مرة.
وعلى ظهر الصورة مكتوب:
“اليوم اللي رجعت فيه الحياة لبيتي.”
يوسف حط الصورة على صدره.
وفي اللحظة دي، كريم دخل المكتب.
وقف شوية، وبعدين قال:
“يوسف.”
يوسف بص له.
كريم قال:
“أنا كنت غلطان.”
وسكت لحظة.
“أبويا كان دايمًا بيقول إن الناس بتبان وقت المصلحة. وأنا افتكرت إنك واحد منهم.”
يوسف رد:
“أنا مكنتش أعرف أصلًا إنه سايبلي حاجة.”
كريم ابتسم بحزن.
“عارف.”
ثم مد إيده.
“لو أنت موافق… أنا وأختي هنساعدك تعمل اللي أبويا كان عايزه.”
يوسف صافحه.
وبعد شهور، البيت القديم اتحول فعلًا لمكان صغير لخدمة أهالي المنطقة.
كان فيه أدوات مجانية للشباب، ومكان يقدروا يتعلموا فيه شغل، ومساعدة للأسر اللي محتاجة.
ويوسف كان أول واحد يفتح الباب كل صباح.
أما كرسي عم محمود القديم، ففضل موجود على الشرفة.
وفي كل يوم سبت، يوسف كان يقعد عليه لدقائق قبل ما يبدأ شغله.
مرة سألته:
“بتعمل كده ليه؟”
ابتسم وقال:
“عشان أحس إنه لسه بيتفرج عليا.”
وبعدها مسك ماكينة النجيلة وقال:
“وبعدين… الراجل ده علمني حاجة.”
سألته:
“إيه؟”
بص للبيت، وقال:
“إنك ممكن تعمل حاجة بسيطة جدًا في حياة حد… وماتعرفش أبدًا قد إيه الحاجة دي كانت مهمة بالنسباله.”
ومن يومها، كل يوم سبت، يوسف كان بيقص نجيلة بيت عم محمود.
مش لأنه ورث البيت.
ولا لأنه أخد فلوس.
لكن لأنه كان عايز يكمّل آخر حاجة طلبها منه الراجل العجوز:
“خلي الخير اللي بدأته يكبر.”
بعد سنة كاملة، بقى المكان اللي كان زمان بيت عم محمود معروف في المنطقة كلها.
يوسف كان وقتها عنده 19 سنة، وبقى مسؤول عن جزء كبير من المكان. كان بيستقبل الشباب اللي محتاجين يتعلموا حرفة، ويساعد الأسر المحتاجة، وحتى كان بيشتري أدوات مدرسية للأطفال من فلوس التبرعات.
وفي يوم سبت، كنت واقفة في المطبخ، وسمعت صوت ماكينة النجيلة.
ابتسمت.
يوسف كان لسه بيقص النجيلة قدام البيت.
لكن المرة دي، المكان ماكانش مهجور.
كان فيه أطفال بيلعبوا في الحديقة، وشابين بيتعلموا تصليح الأجهزة في الجراج، وكريم كان واقف على الباب بيرحب بالناس.
وفجأة، كريم نادى على يوسف:
“يوسف! المحامي جه.”
يوسف وقف الماكينة ودخل البيت.
المحامي كان ماسك ظرف جديد.
يوسف ضحك وقال:
“إيه الحكاية؟ كل ما أشوفك ماسك ظرف بخاف.”
المحامي ابتسم وقال:
“المرة دي مش من عم محمود.”
يوسف فتح الظرف.
جواه شهادة صغيرة، ومعاها خطاب.
قرأ أول سطر:
“إلى يوسف، الشخص الذي أثبت لي أن الخير لا يحتاج إلى مقابل…”
سكت يوسف.
المحامي قال:
“دي آخر وصية كتبها عم محمود قبل وفاته.”
يوسف كمل القراءة.
“لو المكان ده استمر بعد سنة من وفاتي، فاعرف إن يوسف نجح في المهمة.”
وتحت الكلام كان فيه سطر أخير:
“والآن، سلّموه المفتاح الحقيقي.”
يوسف رفع عينه باستغراب.
“مفتاح إيه؟”
المحامي أشار إلى جيبه.
وأخرج مفتاحًا ذهبيًا صغيرًا.
ثم قال:
“عم محمود كان مخبي حاجة تانية.”
فتحوا باب غرفة قديمة في آخر البيت.
جواها كان فيه صندوق حديدي كبير.
فتح يوسف الصندوق.
ولما شاف محتواه، فضل ساكت.
كان فيه عشرات الرسائل القديمة.
كل رسالة مكتوب عليها اسم شخص من أهل المنطقة.
يوسف بدأ يفتح واحدة.
كانت رسالة من عم محمود لرجل عجوز كان ساكن قريب منه.
ثم رسالة لأم أرملة.
ثم رسالة لشاب كان عاطل.
كل الرسائل كانت بتحكي عن أشخاص ساعدهم عم محمود في السر، من غير ما حد يعرف.
يوسف بدأ يبكي.
وقال:
“أنا كنت فاكره راجل وحيد.”
المحامي رد:
“كان وحيد في حياته… لكنه عمره ما كان وحيد في قلوب الناس.”
وفي آخر الصندوق، كان فيه ظرف مكتوب عليه اسم يوسف.
فتح يوسف الظرف.
وكانت آخر رسالة.
“يا يوسف،”
“لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنت فهمت أخيرًا ليه كنت بقعد على الكرسي وأتفرج عليك كل يوم سبت.”
“كنت بشوف فيك الولد اللي كنت أتمنى ابني يكون عليه.”
“لكن مع الوقت، اكتشفت إنك بقيت أكتر من كده.”
“بقيت حفيدي اللي أنا ماخلفتوش.”
يوسف حط الرسالة على صدره.
ثم قرأ آخر سطر:
“أنا ماورثتكش بيت… أنا ورثتك مسؤوليتي.”
ومن يومها، يوسف بطل يقول إن عم محمود كان جارهم.
كان يقول:
“ده كان جدي… حتى لو مفيش بينا نقطة دم واحدة.”
وكل يوم سبت، قبل ما يبدأ شغله، كان يقف قدام كرسي عم محمود القديم، يلمسه بإيده، ويقول:
“لسه مكمل يا عم محمود.”
تمت
