
وفي الملف كان فيه ورق تاني.
حسابات.
إيصالات.
وتفاصيل مصاريف كانت بتدفعها من فلوسها من غير ما تقول لحد.
وفي آخر الملف، لقينا جواب باسمي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
وكان مكتوب:
“بنتي، لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مش جنبك.”
وقفت لحظة.
ومقدرتش أكمل.
ريتام مسكت إيدي.
وقالت:
“أنا هقرأه.”
وقرأت:
“أنا عارفة إنك هتزعلي إني مخبية عنك حاجات. بس طول عمري كنت بحاول أخفف عنك.”
“عارفة إنك شايلة البيت والأولاد وجوزك وشغلك، ومش عايزة أكون حمل زيادة عليك.”
“عشان كده اشتريت الشقة من سنين، وفضلت مخلياها باسمي.”
“بعد وفاتي، الشقة دي ليكي.”
أنا شهقت.
أحمد بصلي.
وريتام بدأت تعيط.
لكن الجواب ماكانش خلص.
أمي كتبت:
“ومتخليش ريتام تشيل فوق طاقتها.”
“هي هتحاول تبقى قوية عشانك.”
“وهتقول لك إنها بخير.”
“لكنها لسه طفلة.”
“خليها تعيش سنها.”
“خليها تخرج.”
“تضحك.”
“وتغلط.”
“ومتخليش موتي يحولها لأم لإخواتها.”
وقتها بصيت لريتام.
وفهمت.
هي كانت بتعمل كل ده لأنها بدأت فعلًا تحس إنها لازم تبقى المسؤولة عن البيت.
وأنا، من غير ما أقصد، كنت بضغط عليها.
كنت شايفة بنتي الكبيرة.
لكن نسيت إنها بنتي.
حضنتها وقلت:
“أنا آسفة.”
قالت:
“على إيه؟”
قلت:
“إني خليتك تحسي إن لازم تنقذينا.”
“إنتِ مش مسؤولة عننا.”
“إنتِ بنتي.”
“وبس.”
ريتام دفنت وشها في حضني.
وأحمد وقف جنبنا.
وبعد شوية، يوسف دخل الأوضة وهو ماسك عربية لعبة.
بص لنا وقال:
“هو إحنا هنعيش هنا؟”
ضحكنا وسط دموعنا.
قلتله:
“أيوه يا حبيبي.”
وبعدين بصيت لدراع ريتام.
الصورة كانت لسه هناك.
وجه أمي.
وتحتها:
“أوعى تسيبي إخواتك لوحدهم.”
بس المرة دي فهمت الجملة بشكل مختلف.
ماكانش معناها إنها تتحمل مسؤوليتهم.
كان معناها إنها تفضل قريبة منهم.
تحبهم.
وتفتكرهم.
وتكون أختهم.
مش أمهم.
وبعد شهر، نقلنا للشقة.
أحمد لقى شغل جديد.
وأنا بدأت أرتب حياتي من جديد.
أما ريتام، فكانت كل ليلة قبل ما تنام تبص على دراعها.
وفي مرة سألتها:
“ندمانة على الوشم؟”
بصت للصورة وابتسمت.
وقالت:
“ولا يوم.”
وبعدين بصتلي وقالت:
“بس لو جدتي كانت عايشة، كانت هتزعقلي عشان دفعت 340 دولار.”
ضحكت.
وقلت:
“أكيد.”
سكتنا شوية.
وبعدين ريتام قالت:
“ماما؟”
“نعم؟”
“أنا عايزة أوعدك بحاجة.”
“إيه؟”
قالت:
“هعيش.”
“مش هفضل طول عمري خايفة من إن حد يمشي.”
“ومش هحاول أبقى كبيرة قبل وقتي.”
ابتسمت وقلت:
“ده أحسن وعد ممكن تاخديه.”
وبصيت على صورتها.
لأول مرة من يوم موت أمي، حسيت إن البيت مش مليان غياب.
كان مليان ذكرى.
ومحبة.
وأربعة أشخاص لسه عندهم فرصة يكملوا حياتهم.
وفي اليوم التالي، ريتام راحت المدرسة لأول مرة من غير ما تخبي دراعها.
ولما واحدة من صاحباتها سألتها عن الوشم، ابتسمت وقالت:
“دي جدتي.”
“ومش هسمح لأي حد ينساني بيها.”
وكانت دي آخر مرة سمعتها تتكلم عن وفاة أمي كأنها نهاية.
لأنها أخيرًا فهمت الحقيقة:
اللي بنحبهم ممكن يمشوا من حياتنا، لكن مش لازم يمشوا من قلوبنا.
تمت
