روايات

وعد الـ60 وردة بقلم: المجهول — حصريًا لحكايات أسما السيد | يُمنع النسخ أو إعادة النشر

*يمكن تكوني افتكرتيني مات في الليلة دي. ويمكن تكوني عيشتي حياتك ونسيتيني. وأنا مش هلومك.*

*لكن الحقيقة إني حاولت أوصلك.*

*سنين طويلة وأنا بدور عليك.*

*ولما فهمت إن ممكن ما أشوفكيش تاني، بدأت أشتري وردة عباد شمس كل سنة في يوم ميلادك.*

*أول سنة اشتريت وردة.*

*تاني سنة وردتين.*

*وبعدها بدأت أحوش فلوس مخصوص عشان اليوم اللي هكمل فيه الستين.*

*أنا عارف إن وعد ولد عنده خمستاشر سنة ممكن يبان سخيف بعد كل السنين دي.*

*لكن بالنسبة لي، الوعد ده كان أهم حاجة في حياتي.*

*لو أنا مش موجود لما تكملي الستين، أتمنى إن ابني يكمل وعدي.*

*مش علشان يرجع الماضي.*

*ولا علشان يطلب منك أي حاجة.*

*بس علشان تعرفي إن الولد اللي وعدك بالورد وهو عنده خمستاشر سنة… عمره ما نسيك.*

*كل سنة وإنتِ طيبة يا سعاد.*

*ودايماً افتكري إن بعض الوعود بتعيش أطول من أصحابها.*

*داني.”*

فضلت ساكتة.

كنت بعيط، لكن المرة دي دموعي ماكانتش كلها حزن.

كان فيها راحة.

راحة غريبة، كأن جزء من حياتي اللي فضل ناقص طول خمسة وأربعين سنة رجع أخيرًا مكانه.

كريم سألني:

“تحبي تشوفي حاجة تانية؟”

هزيت راسي.

طلع من شنطته دفتر صغير.

فتحه.

كان فيه عشرات الإيصالات القديمة من محلات ورد مختلفة.

كل سنة تقريبًا.

وأمام كل إيصال كان داني كاتب تاريخ.

15 أغسطس.

عيد ميلادي.

وبعض الصفحات كان مكتوب عليها:

*”لسه فاكر.”*

*”لسه بدور.”*

*”النهارده كان المفروض أبعت لها وردة.”*

وفي آخر صفحة، كانت فيه جملة واحدة:

*”لو مش أنا، يبقى كريم.”*

حطيت إيدي على الدفتر وبدأت أعيط تاني.

بعد شوية، بصيت لكريم وقلت:

“أبوك كان إنسان كويس.”

ابتسم.

“كان بيقول إنك أول واحدة خلته يحس إنه محبوب من غير شروط.”

قعدنا نتكلم ساعات.

حكى لي عن داني.

عن حياته.

عن أحلامه.

عن أمي.

عن كل الحاجات اللي فاتتني.

وفي نهاية اليوم، وقف كريم عند الباب يستعد يمشي.

قبل ما يخرج، سألته:

“هو ليه اختار عباد الشمس؟”

ابتسم وقال:

“عشان قال إنك كنتي شبهها.”

ضحكت وسط دموعي.

“أنا؟”

“أيوه. قال إنك حتى لما الدنيا تضلم، كنتي دايمًا بتدوري على النور.”

قفلت الباب بعد ما مشي.

رجعت للصالة.

وقفت قدام الستين وردة.

ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن الماضي مش بيوجعني.

حسيت إنه أخيرًا سلّم عليّ…

ومشي.

بعدها بكام أسبوع، زرعت أول شتلة عباد شمس في حديقة البيت.

وبعدها زرعت التانية.

والتالتة.

لحد ما بقت الحديقة كلها مليانة عباد شمس.

وأول ما أول زهرة فتحت، وقفت قدامها وابتسمت.

وقلت بصوت واطي:

“وعدك وصل يا داني.”

ثم ضحكت وقلت:

“بس اتأخرت شوية.”

ومن يومها، كل عيد ميلاد، كنت باحط ستين وردة عباد شمس على باب بيتي.

مش علشان أعيش في الماضي.

لكن علشان أفتكر إن في حب ممكن يختفي من حياتنا…

من غير ما يختفي من قلوبنا.

وإن أحيانًا، وعد صغير قطعه طفلين عندهم خمستاشر سنة…

يقدر يعيش أطول من العمر نفسه.

تمت

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!