روايات

وعد الـ60 وردة بقلم: المجهول — حصريًا لحكايات أسما السيد | يُمنع النسخ أو إعادة النشر

كنت عندي خمستاشر سنة لما داني اداني أول وردة عباد شمس في حياتي.

إحنا كنا بنكبر في نفس الشارع، بيوتنا كانت على بُعد 3 بيوت من بعض. وكنا أصحاب من وإحنا صغيرين، قبل حتى ما نفهم يعني إيه حب.

في صيف السنة دي، وإحنا معديين جنب عربية بتبيع ورد على طريق إسكندرية الصحراوي، بهزار قلت له:

“لما أبقى ستين سنة، هبقى ست عجوزة محدش هيجيب لي ورد ساعتها.”

داني بصلي باستنكار حقيقي وقال:

“يبقى أنا اللي هجيبلك ستين وردة عباد شمس. وردة عن كل سنة.”

ضحكت، لكنه أصر إني أوعده.

وفعلًا، فضلنا مع بعض لحد ما خلصنا الثانوية، وبعدها دخلنا الجامعة، وكنا بنتكلم عن الجواز والبيت الصغير اللي هنشتريه في يوم من الأيام، والحياة اللي هنعيشها سوا.

لكن كل حاجة اتغيرت في ليلة عيد ميلاد ثورة يوليو.

كان فيه احتفال كبير في منطقتنا، وحصل حريق رهيب بسبب حادث أثناء الألعاب النارية.

داني ما رجعش البيت بعدها.

مرت السنين.

اتجوزت راجل تاني وخلفت طفلين كانوا أجمل حاجة في حياتي، لكن جوازي ماكانش أبدًا قصة الحب اللي كنت بحلم بيها وأنا صغيرة.

جوزي خانني أكتر من مرة، وأنا فضلت سنين أسامحه، لأني كنت خايفة أبدأ حياتي من جديد.

لحد ما، وأنا عندي سبعة وخمسين سنة، أخيرًا لقيت الشجاعة إني أطلب الطلاق.

وبعد 3 سنين، جه عيد ميلادي الستين.

كنت متوقعة إن اليوم يعدي عادي، مجرد عشا بسيط مع أولادي وخلاص.

لكن الصبح، أول ما فتحت باب شقتي، اتجمدت مكاني.

البلكونة كلها كانت مليانة عباد شمس.

بدأت أعدهم.

واحدة…

اتنين…

تلاتة…

لحد ما وصلت للستين.

بالظبط ستين وردة.

رجلي ما بقتش شايلاني.

أنا عمري ما حكيت لحد عن وعد داني.

طوال خمسة وأربعين سنة، ما قلتش لأي إنسان عن الستين وردة اللي وعدني بيهم.

وبعدين، لمحت حاجة مستخبية ورا الورد.

كانت علبة خشب قديمة، لونها باهت، ومربوطة بشريط أصفر لونه بهت من الزمن.

دخلت العلبة جوه وقعدت على ترابيزة المطبخ، وبإيدين بتترعش بدأت أفك الشريط بحذر.

جوه العلبة كان فيه حاجة واحدة بس.

ورقة متنية.

صوابعي كانت بتترعش جامد لدرجة إني حاولت كذا مرة أفتح الورقة.

ولما قريت أول سطر، دموعي نزلت من غير ما أحس.

وقلت لنفسي:

“يا نهار أبيض… معقول دي تكون مقلب سخيف؟”

لكن قبل ما أكمل قراءة الورقة، سمعت صوت جاي من باب الشقة.

**خبطتين… خبطتين ورا بعض.**

خبطات بطيئة وواضحة.

الورقة وقعت من إيدي.

وقفت ببطء، ومشيت ناحية الباب وأنا مش حاسة برجلي.

وصلت قدامه، ومديت إيدي للمقبض.

كانت إيدي بتترعش بعنف.

أخدت نفس طويل…

ومسكت المقبض…

وبعدين فتحت الباب.

واللحظة دي…

كانت كفيلة إنها تغيّر حياتي كلها.

لأني ماكانش عندي أي فكرة **مين الشخص اللي واقف قدامي.**

أول ما فتحت الباب، شهقت من الصدمة.

كان واقف قدامي راجل في أوائل الأربعينات، لابس قميص أبيض وبنطلون جينز، وفي إيده ظرف بني قديم.

بصلي للحظات، وبعدها قال بهدوء:

“حضرتك… اسمك سعاد؟”

هزيت راسي وأنا مش فاهمة.

قال:

“أنا اسمي كريم.”

مجرد ما سمعت الاسم، حسيت إن قلبي وقف.

“كريم؟”

ابتسم بحزن.

“أيوه. كريم ابن داني.”

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

مسكت طرف الباب عشان ما أقعش.

“ابن… داني؟”

هز راسه.

“أيوه.”

فضلت باصة له من غير ما أعرف أقول إيه.

إزاي؟

داني مات وهو عنده تمنية عشر سنة.

إزاي يكون عنده ابن؟

كريم مد إيده بالظرف وقال:

“أنا عارف إن عندك أسئلة كتير. وأنا كمان قضيت سنين طويلة بدور على إجابات.”

بصيت للظرف.

“إيه ده؟”

قال:

“آخر حاجة بابا سابها لي.”

رجعت خطوة لورا.

“داني سابلك ده؟”

“أيوه.”

سكت لحظة، وبعدين قال:

“بس قبل ما أديهولك، لازم أحكيلك الحقيقة.”

دخلته البيت.

قعدنا في الصالة، وأنا حطيت علبة الخشب قدامي.

كريم بص للستين وردة من خلال الشباك، وابتسم.

“بابا كان بيتكلم عنهم كتير.”

حسيت بالدموع في عيني.

“إنت كنت تعرف عني؟”

قال:

“طول عمري.”

فتحت بُقي من الدهشة.

“إزاي؟”

طلع صورة قديمة من الظرف.

كانت صورة ليا وأنا عندي حوالي خمستاشر سنة، واقفة جنب داني قدام محل ورد في بلدنا.

الصورة كانت قديمة جدًا، لكني عرفتها فورًا.

قال كريم:

“دي كانت أهم صورة عنده.”

مسكتها بإيدي.

خلف الصورة كان فيه كلام مكتوب بخط داني:

*”سعاد… لما تبقي ستين سنة، لو أنا مش موجود، لازم حد يحقق وعدي.”*

بدأت أعيط.

كريم سكت شوية، وبعدها قال:

“بابا ما ماتش في الحريق اللي كل الناس فاكرينه.”

رفعت عيني بسرعة.

“إيه؟”

قال:

“هو نجا من الحريق.”

حسيت إن نفسي انقطع.

“إنت بتقول إيه؟”

“بابا نجا، لكنه اتصاب إصابة خطيرة جدًا. المستشفى اللي اتنقل ليها حصل فيها خطأ في تسجيل بياناته، وبعدها دخل في غيبوبة.”

كنت ببص له وكأني مش قادرة أصدق.

“وبعدين؟”

“لما فاق، كان عنده فقدان جزئي للذاكرة. ماكانش فاكر اسمه بالكامل ولا عنوانه. وبعد فترة طويلة، بدأ يفتكر أجزاء صغيرة من حياته.”

حط إيده على ركبته وقال:

“وأول اسم افتكره كان اسمك.”

دموعي نزلت أكتر.

“داني…”

كريم هز راسه.

“فضل يدور عليك.”

سكت لحظة.

“لكن الدنيا كانت اتغيرت. بيت أهلكم اتباع، وعيلتك نقلت من المنطقة، وهو ماكانش عنده معلومات كفاية. حاول يسأل، لكن بعد سنين طويلة فقد الأمل إنه يوصلك.”

“طب… اتجوز؟”

كريم بص للأرض.

“أيوه.”

اتوجعت رغم إن السنين عدت.

قال بسرعة:

“بس لازم تعرفي حاجة. بابا ما نسيكيش.”

سكت، ثم أضاف:

“اتجوز أمي بعد ما افتكر جزء كبير من حياته. وخلفني. لكنه طول عمره كان بيحكيلي عن بنت اسمها سعاد، وإنها كانت أول حب في حياته.”

مسحت دموعي.

“وأبوك مات إمتى؟”

بصلي كريم بحزن.

“من سنتين.”

غمضت عيني.

كنت فاكرة إن داني مات من خمسة وأربعين سنة.

لكن الحقيقة كانت إنه عاش كل السنين دي…

وكان فاكرني.

كريم قال:

“قبل ما يموت، طلب مني حاجة واحدة.”

“إيه؟”

“قال لي: لو قدرت أوصل لها، أوصل لها في عيد ميلادها الستين.”

بصيت للورد.

“بس إنت عرفت إني هبقى هنا إزاي؟”

ابتسم.

“بابا كان محتفظ برسالة قديمة من واحدة من قرايبك. ومن خلالها عرفت اسم عيلتك. فضلت أدور لحد ما وصلت لمكانك.”

فتحت العلبة الخشب تاني.

“طب والرسالة؟”

قال:

“دي أهم حاجة.”

فردت الورقة قدامي.

بدأت أقرأ.

*”سعاد،*

*لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أحقق وعدي بنفسي.*

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!