
من سنة، بنتي سلمى، اللي كان عندها 14 سنة، سافرت في رحلة لشرم الشيخ مع جوزي أحمد.
لكن أحمد هو الوحيد اللي رجع.
أنا ماقدرتش أروح معاهم بسبب شغلي، وسلمى ماكانتِش متضايقة خالص. بالعكس، كانت دايمًا قريبة من أبوها، ومن أول 3 أيام كانت بتبعتلي صور كتير ليهم وهما على البحر، لابسين نضارات شمس مضحكة، وبيضحكوا وهما بياكلوا حلويات ومثلجات.
لكن في الساعة 2:13 بعد نص الليل في الليلة الرابعة، أحمد اتصل بيا.
سلمى اختفت.
قال للشرطة إنه ساب أوضة الفندق أقل من ربع ساعة علشان ينزل يجيب طلب أكل. ولما رجع، ماكانتش سلمى موجودة.
أسابيع من البحث والتحري عدّت من غير أي نتيجة. وفي النهاية، المحققين قالولنا إن الاحتمال الأكبر هو أسوأ كابوس ممكن يعيشه أي أب أو أم:
حد اختطف بنتنا.
أحمد عمره ما سامح نفسه.
بطل يسافر تمامًا، والشنطة اللي خدها معاه في الرحلة فضلت مدفونة في آخر الدولاب عندنا. مرة اقترحت عليه إننا نتخلص منها، لكنه اتعصب بشكل مفاجئ، لدرجة إني ماجبتش سيرتها تاني.
افتكرت إن ده بسبب حزنه على سلمى.
لكن يوم الاتنين اللي فات، كنت مستعجلة علشان ألحق طيارة بدري في رحلة شغل، وفجأة سوستة شنطتي اتقطعت تمامًا.
التاكسي كان مستنيني تحت، وأحمد كان لسه نايم، وماكانش عندي وقت أدور على شنطة تانية.
فأخدت شنطته.
في المطار، الشنطة عدّت على جهاز التفتيش مرتين، وبعدها واحد من أفراد الأمن طلب مني أتنحى على جنب.
قال إن فيه حاجة شكلها غريب موجودة تحت البطانة الداخلية للشنطة.
ولما فحصوها بدقة أكبر، اكتشفوا خيوط حمراء صغيرة متخيطة على طول أحد جوانب البطانة.
حسيت بمعدتي اتقبضت.
أحد أفراد الأمن بدأ يقطع الخياطة بحذر.
وكان مخبي بين البطانة والغلاف الخارجي كيس مسطح ملفوف بإحكام في بلاستيك، ومتغطي بطبقات كتير من شريط لاصق فضي.
بصلي وقال:
“حضرتك تعرفي ده إيه؟”
هزيت راسي وأنا مش قادرة أنطق.
بدأوا يفكوا التغليف.
شالوا البلاستيك.
وبعده الشريط اللاصق.
وكان فيه طبقة تانية مقفولة بإحكام.
وقبل ما الضابط يشيل الطبقة الأخيرة، موبايلي اهتز فجأة على ترابيزة التفتيش.
أحمد.
رديت.
قال بسرعة:
“إنتِ فين؟”
قلت:
“في المطار.”
وفجأة صوته اتغير تمامًا.
وقال:
“قوليلي إنك ماخدتيش شنطة رحلة شرم الشيخ بتاعتي.”
لكن كان الوقت فات جدًا.
الضابط شال الطبقة الأخيرة.
بصيت لتحت.
ولثانية واحدة، مخي رفض يفهم أنا شايفة إيه بالظبط.
وبعدين…
صرخت.
لأن كل حاجة أحمد قالها لي عن اختفاء بنتنا كانت…
كدبة.
بصيت جوه الشنطة، وحسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا.
الضابط كان ماسك كيس شفاف، وجواه حاجة صغيرة ملفوفة في قطعة قماش قديمة.
وبعدين شال القماش.
طلعت منه **سلسلة فضية صغيرة**.
سلسلة سلمى.
أنا اللي اشتريتهالها قبل الرحلة بأسبوع، وكانت فيها تعليقة صغيرة على شكل قلب.
صرخت:
“دي بتاعة بنتي!”
الضابط بصلي باستغراب، وبعدها سألني:
“متأكدة؟”
قلت وأنا بعيط:
“أنا اللي اشتريتهالها! كانت لابساها يوم ما سافرت!”
في اللحظة دي، أحمد اتصل تاني.
المرة دي ما رديتش.
الضابط أخد الموبايل مني وقال:
“ماتقوليش له أي حاجة دلوقتي.”
وبدأوا يفتشوا الشنطة بالكامل.
وبعد دقائق، اكتشفوا إن الكيس ماكانش مجرد قطعة واحدة.
كان فيه **مفتاح صغير، وفلاشة USB، وصورة مطوية.**
فتحنا الصورة.
كانت صورة لسلمى.
لكنها ماكانتِش صورة من الرحلة.
كانت سلمى قاعدة على كرسي، ووشها شاحب، ووراها حائط أبيض.
وعلى ظهر الصورة، كان مكتوب بخط إيدها:
**”ماما، لو وصلتك الصورة دي، ماتثقيش في بابا.”**
حسيت إن رجلي ماعادوش شايليني.
قلت:
“دي خط بنتي… أنا عارفة خطها.”
الضابط أخد الصورة بحذر.
“إنتِ بتقولي إن بنتك اختفت من سنة؟”
هزيت راسي.
“أيوه.”
سألني:
“وجوزك قال إنها اتخطفت من الفندق؟”
“أيوه.”
الضابط بص لزميله.
وبعدين قال:
“يبقى لازم نرجع نفتش في القضية من أول وجديد.”
أخدوا الفلاشة، وبعد ما شغلوها على جهاز آمن، ظهر فيديو قصير.
في البداية كانت الشاشة ضلمة.
وبعدين ظهرت سلمى.
كانت قاعدة في نفس المكان اللي في الصورة.
وشها كان مليان خوف.
بصت للكاميرا وقالت بصوت واطي:
“ماما… لو إنتِ بتشوفي الفيديو ده، يبقى بابا ماقالكيش الحقيقة.”
أنا حطيت إيدي على بوقي.
سلمى كملت:
“أنا مش مختفية.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
“أنا مستخبية.”
الضابط قرب من الشاشة.
سلمى قالت:
“بابا خدني من الفندق في الليلة الرابعة. قاللي إننا لازم نمشي بسرعة، وإن ماما في خطر.”
بدأت أعيط.
“بعدها جابني هنا… وقاللي إن لو حاولت أهرب، ماما هتموت.”
اتسمعت شهقة مني.
وبعدين سلمى قالت:
“هو قاللي إن فيه ناس بيدوروا علينا بسبب فلوس… بس أنا سمعت مكالمة منه، وعرفت إن الموضوع كله كدب.”
الفيديو اتقطع للحظة.
وبعدين ظهر جزء تاني.
سلمى كانت بتتكلم بصوت أضعف:
“بابا مش لوحده.”
ثم قالت جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي:
**”في حد من عيلتنا بيساعده.”**
الفيديو انتهى.
بصيت للضابط.
“فين بنتي؟”
قال:
“هنعرف.”
في نفس الليلة، الشرطة رجعت لملف القضية القديم، وبدأوا يراجعوا كل حاجة.
وبعد ساعات، اكتشفوا إن أحمد كان بيستخدم بطاقة بنكية باسم شخص تاني في مدينة **الإسكندرية** بعد اختفاء سلمى بأيام.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن الشخص ده…
كان **أخويا أنا، محمود.**
أخويا اللي قضى السنة كلها وهو بيواسيني.
أخويا اللي كان بييجي معايا المستشفى لما كنت بغمى عليا من البكاء.
أخويا اللي كان بيقوللي كل يوم:
“هنلاقي سلمى.”
طلع هو كمان متورط.
الشرطة راحت على عنوان قديم في برج العرب، لكن المكان كان فاضي.
وبعد البحث، لقوا تحت الأرض غرفة صغيرة مخفية.
الغرفة كانت فاضية.
لكن كان فيها سرير، بطانية، أكل معلب، ودفتر.
دفتر سلمى.
آخر صفحة كانت بتاريخ قبل اختفائها بأسبوع.
وكان مكتوب فيها:
**”أنا عارفة إن بابا بيخبي حاجة عن ماما.”**
بعدها بيومين، الشرطة قبضت على محمود.
وفي التحقيق، انهار واعترف.
أحمد كان عليه ديون ضخمة، وكان داخل في عمليات نصب مع مجموعة من الناس.
ولما عرف إن سلمى اكتشفت جزء من الموضوع، قرر يخوفها ويخليها تختفي فترة، علشان يقدر يهرب من البلد من غير ما حد يعرف مكانه.
لكن محمود ساعده في إخفائها.
سألناهم:
“فين سلمى؟!”
محمود رفض يتكلم.
لحد ما الشرطة واجهته بتسجيلات المكالمات.
وقتها انهار وقال:
“أحمد نقلها من مكان لمكان أكتر من مرة.”
وبعد ساعات من البحث، قدروا يحددوا آخر مكان استخدم فيه أحمد هاتفًا قديمًا.
**شقة في الإسكندرية.**
الشرطة راحت هناك قبل الفجر.
وأنا كنت معاهم.
كنت خايفة.
مش من اللي ممكن ألاقيه.
كنت خايفة ألاقي الشقة فاضية.
لكن لما فتحوا الباب…
سمعت صوتًا من آخر الممر.
صوت بنت.
صوت أعرفه أكتر من أي صوت في الدنيا.
“ماما؟”
وقعت على ركبتي.
“سلمى؟!”
جريت عليها.
كانت واقفة عند باب أوضة صغيرة، نحيفة وشاحبة، لكن حية.
حضنتها وأنا بعيط.
وهي كانت بتعيط في حضني وتقول:
“كنت عارفة إنك هتلاقيني.”
فضلت ماسكاها كأني خايفة تختفي تاني.
بعدها سألتها:
“ليه ماحاولتيش تهربي؟”
قالت:
“حاولت.”
وبعدين بصتلي.
“بس كل مرة كنت بخاف إنهم يأذوكي.”
قلت:
“وأبوك؟”
سكتت.
وبعدين قالت:
“هو كان عارف إنك هتفضلي تدوري عليا.”
في اليوم التالي، أحمد اتقبض عليه وهو بيحاول يهرب من مصر.
وأخويا دخل السجن.
أما أنا وسلمى، فبدأنا رحلة طويلة عشان نرجع نعيش حياتنا من جديد.
بعد كام شهر، رجعت معاها لنفس المكان اللي كانت فيه آخر مرة قبل اختفائها.
وقفت جنبي، ومسكت إيدي.
وقالت:
“ماما…”
“نعم؟”
“إنتِ لسه محتفظة بالسلسلة؟”
لمست السلسلة اللي كانت في إيدي.
قلت:
“أيوه.”
ابتسمت وقالت:
“خليها معاكي.”
بصيتلها باستغراب.
قالت:
“علشان كل مرة تبصي عليها، تفتكري إنك لقيتيني.”
حضنتها.
وفي اللحظة دي فهمت إن الشنطة اللي ظنيت إنها مجرد شنطة قديمة…
كانت في الحقيقة **آخر رسالة بنتي قدرت تبعتها لي.**
والأهم من كل ده؟
إن أحمد كان فاكر إنه دفن الحقيقة جوه شنطته.
لكن الحقيقة كانت مستنية اليوم اللي أنا بنفسي أفتحها.
ومن يومها، كل ما حد يسألني إزاي قدرت أعيش سنة كاملة وأنا مش عارفة بنتي فين…
بقول جملة واحدة:
**”الأم ممكن تتكسر… لكن عمرها ما بتبطل تدور على بنتها.”**
تمت
