
بعد ما مريم مشيت، البيت رجع هادي.
بس أنا مكنتش نفس سارة اللي كانت واقفة في الطرقة من كام ساعة.
قعدت على الكنبة، وبصيت لرايان.
“ممكن أسألك سؤال؟”
قعد جنبي.
“اسألي.”
قلت:
“إنت عمرك حسيت إني مش كفاية ليك؟”
بصلي فترة طويلة قبل ما يرد.
“ولا مرة.”
“حتى لما كنت بتبعد عني أو تسكت؟”
تنهد.
“كنت ببعد عشان كنت خايف أقول حاجة تضايقك. كنت شايف إنك بقيتي قاسية على نفسك جدًا، وكل مرة أقولك إنك جميلة كنتِ تردي: أنت جوزي، لازم تقول كده.”
ابتسم بحزن.
“فبطلت أقولها بالكلام، وبدأت أصورها في كل لحظة كنت شايفك فيها جميلة.”
بصيت للموبايل اللي كان في إيده.
“حتى الصور الوحشة؟”
ضحك.
“خصوصًا الصور اللي إنتِ شايفاها وحشة.”
سألته:
“ليه؟”
قال:
“عشان دي أكتر صور بتكوني فيها على طبيعتك.”
الكلام دخل قلبي بشكل غريب.
في اللحظة دي، موبايله رن.
كان جده.
رايان رد:
“أيوه يا جدو؟”
سمعت صوته من الناحية التانية:
“نسيت أقولكم حاجة مهمة.”
رايان فتح السماعة.
“إيه؟”
قال جده:
“الفيديو اللي شوفته النهارده مش أول فيديو.”
أنا بصيت لرايان.
“يعني إيه؟”
ضحك جده.
“عندي فيديو تاني. بس ده أنا اللي صورته.”
رايان قال:
“إنت صورتها إمتى؟”
رد:
“يوم ما جت تزورني في المستشفى.”
اتسعت عيني.
كنت فاكرة اليوم ده.
من حوالي ست شهور، جده كان دخل المستشفى بسبب وعكة مفاجئة. أنا كنت بزوره كل يوم تقريبًا، رغم إن وقتها شغلي كان ضغط جدًا.
جده كمل:
“كانت فاكرة إني نايم. لكنها قعدت جنبي ساعتين، ومسكِت إيدي طول الوقت.”
سكت لحظة.
“أنا صحيت، ولقيتها بتدعيلي.”
دموعي نزلت.
جده قال:
“فصورتها من غير ما تحس.”
رايان سأل:
“وليه ما وريتهولناش؟”
قال:
“عشان الفيديو ده مش عن شكلها.”
سكت.
“ده عن قلبها.”
قفلت المكالمة، وأنا مش قادرة أتكلم.
بعدها بأيام، جدي رايان جه عندنا تاني.
بس المرة دي، جاب معاه ظرف قديم.
مدهولي.
“ده ليكي.”
فتحته.
جواه كانت صورة مطبوعة ليا وأنا قاعدة جنب سريره في المستشفى.
وخلف الصورة كان مكتوب:
“أجمل جسم في الدنيا مش اللي الناس تبص له، أجمل جسم هو الجسم اللي شال صاحبه خلال أصعب أيام حياته، ولسه واقف.”
قرأت الجملة مرتين.
وبعدين بصيت له.
قال:
“كنت فاهم من كلام رايان إنك مش شايفة نفسك كويس.”
ابتسم.
“فقلت له لازم يفهمك إن قيمتك أكبر بكتير من شكلك.”
وقتها فهمت إن الجملة اللي سمعتها من ورا باب المطبخ كانت ناقصة.
“جسمها تحفة.”
لكن اللي ما سمعتهوش وقتها كان باقي الكلام.
إنهم كانوا بيتكلموا عن قوتي.
عن صبري.
عن الطريقة اللي وقفت بيها جنب جده.
عن الطريقة اللي حاولت بيها أكون موجودة لكل الناس حتى وأنا مش قادرة أكون موجودة لنفسي.
بعدها بشهر، مريم بعتتلي صورة.
كانت أول صورة ليها وهي في شقتها الجديدة.
كتبت تحتها:
“شايفة؟ أخيرًا بقيت لوحدي.”
ضحكت ورديت:
“مبروك يا مجنونة.”
بعد ثواني، بعتتلي:
“وإنتِ؟”
قلت:
“أنا إيه؟”
قالت:
“لسه بتبصي لنفسك بعينك القديمة؟”
بصيت للمراية.
ولأول مرة من سنين، ما دورتش على عيوب.
بصيت لنفسي وابتسمت.
وبعتلها:
“لأ.”
ردت:
“إيه اللي اتغير؟”
كتبت:
“أنا.”
في نفس الليلة، رايان شغل الفيديو اللي كان بيحضره.
ظهرت الصور واحدة ورا التانية.
صور من أيام خطوبتنا.
صور من أول بيت عشنا فيه.
صور وأنا بضحك.
صور وأنا تعبانة.
صور وأنا بحضنه.
وفي النهاية ظهرت صورة واحدة بس.
صورتي وأنا واقفة قدام المراية، من غير فلتر، ومن غير مكياج.
وتحتها جملة كتبها رايان:
“دي الست اللي اخترتها كل يوم… وهختارها كل يوم تاني.”
بصيت له وقلت:
“أنا بحبك.”
قال:
“وأنا بحبك.”
ضحكت وقلت:
“بس لو سمعتك أنت وجدك بتتكلموا عن جسمي تاني من ورا الباب، هكسر الإزاز من غير ما أقصد.”
انفجر بالضحك.
ومن وقتها، بقى عندنا قاعدة جديدة في البيت:
أي كلام مهم…
يتقال والباب مفتوح.
لأن أحيانًا، نص جملة مسموعة من ورا باب مقفول ممكن تغير حياتك.
مش لأنها الحقيقة…
لكن لأنها الحقيقة ناقصة.
وأنا كنت فاكرة إن الليلة دي هتكون بداية نهاية جوازي.
لكنها في الحقيقة كانت بداية حاجة تانية تمامًا:
بداية إني أشوف نفسي بالطريقة اللي الناس اللي بتحبني كانوا شايفني بيها طول الوقت.
ومن يومها، كل ما أسمع كلمة “قبل وبعد”، مش بفتكر الخوف.
بفتكر المراية.
وبفتكر إني أخيرًا…
بطلت أكره الست اللي كانت واقفة قدامها.
تمت

