
جارتي مليتلي حمام السباحة بالخرسانة عشان ولادي كانوا «دوشة زيادة» — بس هي ما كانتش متوقعة خالص اللي حصل بعدها.
عندي 4 أولاد صغيرين، وفي الصيف بيحبوا جدًا ينزلوا حمام السباحة اللي ورا البيت. جوزي الله يرحمه هو اللي بناه بنفسه، وكان آخر حاجة قدر يخلصها قبل ما يتوفى. أنا فقدته بسبب السرطان من سنتين.
في يوم، وأنا ولادي بيلعبوا في حمام السباحة، جارتي سماح دخلت من بوابة السور اللي بينا ومشت لحد الحوش بتاعي من غير ما تستأذن.
كنت في المطبخ، وفجأة سمعت حد بيزعق، فجريت بره.
لقيت سماح واقفة جنب حمام السباحة وبتزعق في ولادي.
سألتها إذا كان حصل حاجة، فقالت بعصبية:
«ولادك دوشة أوي! أنا عايزة أعيش في هدوء وراحة.»
اعتذرت لها بأدب عشان الموضوع ما يكبرش. بس الحقيقة إني كنت في المطبخ ومسمعتش أي صوت، وولادي عارفين كويس إن ممنوع عليهم يزعقوا. هما أكيد بيرشوا المية وبيضحكوا ويلعبوا، لكن عمرهم ما كانوا بيصرخوا.
المشكلة إن سماح من النوع اللي لازم تلاقي حاجة تشتكي منها مهما حصل.
في عيد الميلاد، كانت متضايقة من زينة الأقزام الصغيرة اللي حاططها قدام البيت. وقبلها بفترة، قالتلي إن الورد اللي زرعته في الجنينة مكانه غلط، وإن «الورد ده المفروض يكون ناحية الشمال مش اليمين».
تاني يوم، ولادي نزلوا حمام السباحة تاني.
وأقسم بالله إنهم ما كانوا بيزعقوا.
لكن الساعة خمسة الصبح بالظبط، صحيت على صوت دوشة رهيبة.
مش مصدقة عيني.
بصيت من الشباك، لقيت سماح واقفة جنب حمام السباحة، ومعاها عربية خرسانة ضخمة، ورا الدركسيون كان جوزها، لأنه صاحب شركة مقاولات.
جريت بره، وأول ما شافتني قالت بكل برود:
«أهو كده بقى هيبقى فيه هدوء أخيرًا! أنا حذرتك!»
في اللحظة دي فهمت إن مفيش فايدة من الجدال معاها.
النوعية دي من الناس مش بتفهم غير لغة واحدة.
وفي نفس اليوم بالليل، استعنت بحد، وبعتّه على بيت سماح.
بعد شوية، سمعت خبط جامد على باب بيتي، ولقيتها جاية ناحيتي وهي بتصرخ بكل قوتها:
«لأ! أي حاجة إلا دي! إزاي قدرتِ تعملي فيا حاجة زي دي؟!»
وقفت قدامها بهدوء، وبصيت لها من غير ما أرد.
كانت سماح بتصرخ ووشها أحمر من الغضب.
قالت:
«إنتِ فاهمة إنتِ عملتي إيه؟! إنتِ هتدمريني!»
ابتسمت بهدوء وقلت:
«أنا؟ أنا معملتش حاجة غير إني طلبت من حد يعاملك بنفس الطريقة اللي عاملتيني بيها.»
بصتلي باستغراب.
«يعني إيه؟»
قلت:
«إنتِ قلتي إنك عايزة هدوء، صح؟ وإن حمام السباحة بتاعي مصدر إزعاج؟»
هزت راسها بعصبية.
«أيوه!»
قلت:
«عشان كده قررت أخليكي تحسي بنفس الإحساس اللي خليتيني أحسه.»
وقتها ظهر من آخر الشارع رجلان يحملان معدات بناء، واتجهوا ناحية بيت سماح.
صرخت:
«لأ! استني! إنتِ مجنونة؟!»
قلت لها:
«أنا مش مجنونة. أنا بس عملت حاجة قانونية تمامًا.»
بدأت ملامحها تتغير.
«قانونية؟ إنتِ بتتكلمي عن إيه؟»
أشرت ناحية بيتها وقلت:
«قبل ما جوزك يصب الخرسانة في حمام السباحة بتاعي، كان عندك مشكلة في حاجة معينة في بيتك.»
سماح سكتت.
كنت عارفة إنها فهمت.
من فترة، كانت سماح مركبة جهاز تكييف صناعي ضخم في جانب بيتها، وكان صوته مرتفعًا جدًا لدرجة إننا كنا نسمعه داخل غرفة نومي.
أنا عمري ما اشتكيت.
كنت بقول لنفسي إن دي حياتها وبيتها.
لكن لما هي قررت تدخل أرضي وتدمر حمام السباحة اللي جوزي الله يرحمه بناه بإيده، قررت إن السكوت انتهى.
قلت لها:
«أنا قدمت شكوى رسمية بسبب الجهاز اللي مركباه على الحد الفاصل بين البيتين، والمهندس اللي جه عاينه قال إنه مخالف للترخيص وبيسبب إزعاج للجيران.»
شهقت:
«إنتِ بلغتي عني؟!»
قلت:
«أيوه.»
صرخت:
«بس ده مش من حقك!»
رديت:
«زي ما مكنش من حقك تدخلي بيتي من غير إذن، ولا تزعقي في ولادي، ولا تجيبي عربية خرسانة وتصبّيها في حمام السباحة بتاعي.»
سماح سكتت تمامًا.
ولأول مرة من ساعة ما عرفتها، ملقتش عندها رد.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
لأن المهندس اللي عاين حمام السباحة بعد ما سماح صبت فيه الخرسانة اكتشف حاجة خطيرة.
الخرسانة ما كانتش مجرد تصرف همجي.
كانت ممكن تسبب أضرار كبيرة في مواسير المياه الموجودة تحت الأرض، وكان لازم تتشال بطريقة معينة عشان ما يحصلش ضرر للبيت كله.
ولما جوز سماح عرف إن إزالة الخرسانة هتكلف مبلغًا ضخمًا، بدأ يلومها.
سمعته بيصرخ عليها من بعيد:
«أنا قلتلك متدخليش في الموضوع! إنتِ اللي عملتي كده من دماغك!»
سماح بدأت تبكي.
لكن بالنسبة لي، الموضوع مكنش عن الفلوس.
كان عن الذكرى.
دخلت البيت بعد ما مشيت سماح، وقعدت قدام صورة جوزي.
افتكرت اليوم اللي خلص فيه حمام السباحة.
كان تعبان جدًا وقتها، لكنه أصر إنه ينزل الحديقة ويشوف الأولاد وهم بيلعبوا فيه.
قال لي يومها:
«نفسي أشوفهم يفرحوا بالمكان ده سنين طويلة بعد ما أمشي.»
ولما افتكرت كلامه، قررت إني مش هسمح لحد يمحو آخر حاجة بناها بإيده.
رفعت دعوى ضد سماح وجوزها، وطالبتهم بتكلفة إزالة الخرسانة وإصلاح الأضرار.
بعد أسابيع، صدر القرار.
اتلزموا بإزالة الخرسانة بالكامل، وإصلاح كل الأضرار، وتحمل التكاليف.
أما جهاز التكييف المخالف، فاضطروا كمان لإزالته أو تعديله حسب المواصفات.
وبعد فترة، رجع حمام السباحة زي ما كان.
في اليوم اللي رجع فيه ولادي ينزلوا المية، وقفوا على الحافة وهم فرحانين جدًا.
ابني الصغير بص لي وقال:
«ماما، سماح مش هتخليهم يقفلوا حمام السباحة تاني، صح؟»
ضحكت وقلت:
«لأ يا حبيبي.»
ونزلوا المية.
لكن المفاجأة إن سماح نفسها ظهرت عند السور.
كنت مستعدة لأي مشكلة.
لكنها وقفت قدامي وقالت بصوت منخفض:
«أنا آسفة.»
بصيت لها من غير ما أتكلم.
قالت:
«أنا كنت فاكرة إن الدنيا كلها لازم تمشي زي ما أنا عايزة. مكنتش متخيلة إن اللي عملته هيوصل للدرجة دي.»
سألتها:
«طب ليه عملتي كده من البداية؟»
نزلت عينيها وقالت:
«كنت بغير منك.»
اتصدمت.
«بتغيري مني؟ على إيه؟»
قالت:
«على ولادك… وعلى البيت… وعلى إنك رغم إنك لوحدك، قدرتي تكملي حياتك. أنا كنت شايفة أولادك بيضحكوا كل يوم، وكنت بحس إن بيتي ساكت ومفيهوش حياة.»
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
«فبدل ما أعترف إني كنت حاسة بالوحدة، قررت ألومكم.»
لأول مرة فهمت إن ورا كل عصبية كانت فيه حاجة تانية.
لكن ده مكنش معناه إني نسيت اللي عملته.
قلت لها:
«أنا ممكن أسامحك، لكن مش هنسى اللي حصل.»
هزت رأسها.
«ومعنديش حق أطلب منك تنسي.»
ومن يومها، علاقتنا اتغيرت.
مبقيناش أصحاب، لكن بقى فيه احترام للحدود.
وسماح عمرها ما دخلت حوشي تاني من غير استئذان.
أما أولادي، ففضلوا ينزلوا حمام السباحة كل صيف.
وفي كل مرة كنت أشوفهم بيضحكوا ويلعبوا، كنت أفتكر جوزي وكلمته الأخيرة عن المكان ده.
كان عايزهم يفرحوا فيه لسنين.
وفعلًا…
فضل حمام السباحة واقف.
مش مجرد حمام سباحة.
كان آخر ذكرى تركها أبوهم لأولاده.
وأحيانًا، أقسى الناس اللي تدخل حياتنا بتعلمنا درسًا مهمًا:
**مش كل معركة محتاجة صراخ… أحيانًا يكفي إنك تعرف حقوقك وتتمسك بيها.**
تمت
