منوعات

وعدٌ عمره 12 سنة حكايات اسما السيد

الصبح، صحيت على صوت أمي وهي بتخبط على باب أوضتي.

— اصحي بسرعة.

فتحت عيني وأنا لسه فاكرة أجواء الحفلة.

لكن أول ما شفت وشها، عرفت إن فيه حاجة حصلت.

— في إيه؟

قالت:

— المحامي اتصل.

قعدت على السرير.

— قال إيه؟

— عم صاحبي حاول يبيع البيت القديم اللي كان باسم والدك.

— يبيع بيت بابا؟

— أيوه، مع إنه مش ملكه.

سكتُّ لحظة.

ثم قلت:

— طب نعمل إيه؟

قالت:

— نروح للمحامي.

بعد ساعة، كنت أنا وأمي وصاحبي قاعدين في مكتب المحامي.

حط قدامنا ملفًا كبيرًا.

وقال:

— عندي دليل يقدر يقفل القضية بالكامل.

بصيت له.

— إيه الدليل؟

فتح الملف.

كانت فيه تسجيلات قديمة، وصور، وتحويلات بنكية.

وقال:

— والدك كان محتفظ بنسخ من كل المستندات. وقبل وفاته بأيام، سلمها لشخص كان يثق فيه.

سألته:

— مين؟

بص لصاحبي.

— والده.

اتصدمت.

يعني عيلة صاحبي كانت بتحمي الحقيقة طول السنين دي.

المحامي كمل:

— عمك كان بيحول أموال من الشركة لحسابات خاصة. والدك اكتشف الموضوع. ولما حاول يوقفه، حصلت حادثة أختك.

قلت:

— بس قلت إن موتها كان حادث.

— كان حادثًا بالفعل. لكن عمك كان يقود السيارة بسرعة جنونية وهو غاضب، وكان يعرف أن السيارة بها عطل في الفرامل.

وضعت يدي على فمي.

— كان يعرف؟

— أيوه.

شعرت بالغضب.

— وكان سايبها تموت؟

المحامي هز رأسه.

— وبعد الحادث، بدأ يزوّر الأوراق ويحاول إقناع الجميع إن والدك هو المسؤول.

ثم أخرج ورقة.

— لكن فيه شخص شهد كل شيء.

سألت:

— مين؟

قال:

— والد صاحبيك.

التفت إليه.

— أبوك كان شاهد؟

هز رأسه.

— أيوه.

ثم قال:

— وعشان كده عمي كان بيهدده لسنين.

سكت الجميع.

وفجأة، رن هاتف المحامي.

رد.

تغير وجهه.

ثم قال:

— هو هنا.

سألت:

— مين؟

قبل أن يرد، فتح باب المكتب.

ودخل رجل كبير في السن.

عرفته فورًا من صورة قديمة.

كان عم صاحبي.

وقف أمامي وقال:

— أنا مش جاي أؤذيك.

ضحكت بمرارة.

— بعد كل اللي عملته؟

قال:

— أنا عايز أصلح اللي حصل.

المحامي قال:

— اتكلم.

جلس الرجل.

وبدأ صوته يرتجف.

— أنا غلطت.

لم أتعاطف.

قال:

— بعد موت البنت، خفت. خفت أخسر كل حاجة. خفت أخوكِ يكشفني.

قاطعته:

— أختي.

خفض رأسه.

— أختك.

ثم أكمل:

— حاولت أخفي الأدلة. لكن والدك عرف.

— وكان هيعمل إيه؟

— كان هيبلغ الشرطة.

سكت.

— وفي الليلة اللي اختفي فيها والدك…

توقف.

نظرت إليه.

— إيه اللي حصل؟

قال:

— أنا قابلته.

شعرت بالغضب.

— وإنت السبب في موته؟

هز رأسه.

— لأ.

ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.

— لكنه قبل ما يموت كان سلمني حاجة.

فتح الصورة.

كانت صورة لي وأنا صغيرة.

وخلفها كتابة بخط أبي.

*”لو حصل لي حاجة، سلمها لابنتي عندما تكبر.”*

مدها لي.

أخذتها.

وكان خلفها سطر آخر:

*”احميها… حتى لو لم أكن موجودًا.”*

لم أستطع منع دموعي.

لكن عم صاحبي قال شيئًا لم أتوقعه:

— أنا فشلت أحميها.

ثم نظر لي.

— لكن ابن أخويا ما فشلش.

بصيت لصاحبي.

كان ساكتًا.

عمّه أكمل:

— هو عرف الحقيقة، وفضل ساكت لأنه وعد أمك إنه مش هيقولك قبل ما تكوني جاهزة.

ثم نهض.

— وأنا جاي أتنازل عن كل حقوقي في القضية.

المحامي قال:

— وهتوقع على الاعترافات؟

أومأ.

— هوقع.

وهكذا، بعد سنوات طويلة، ظهرت الحقيقة.

تم إثبات ملكية الميراث باسمي.

واستردت أمي حقوقها القانونية.

أما عم صاحبي، فدخل في إجراءات قانونية بسبب التزوير والاحتيال وإخفاء الأدلة المتعلقة بالحادث.

لكن بالنسبة لي…

أهم شيء لم يكن المال.

ولا البيت.

ولا حتى الحقيقة عن أبي.

كان الشيء الوحيد الذي ظل ثابتًا وسط كل هذا الخراب هو صداقتي مع الشخص الذي عرفني وأنا طفلة.

بعد شهور، وقفت أمام قبر أبي.

لم أكن أعرف ماذا أقول.

وضعت الوردة أمام القبر.

وقلت:

— أنا عرفت الحقيقة.

ثم سكت.

— ولسه مش عارفة إذا كنت أقدر أسامحك على كل اللي حصل.

وضعت صورة أختي بجوار الوردة.

— بس هحاول أعيش من غير ما أخاف من الماضي.

كان صاحبي واقفًا بعيدًا.

ناديت عليه.

جاء وجلس بجانبي.

قلت:

— فاكر أول وعد؟

ابتسم.

— حفلة التخرج.

— أيوه.

— نفذناه.

ضحكت.

— بس اتأخرنا شوية.

قال:

— المهم نفذناه.

نظرت إليه.

ثم قلت:

— عندي وعد تاني.

رفع حاجبه.

— إيه؟

— إننا مانسيبش بعض مهما حصل.

مد إصبعه الصغير.

شبكت إصبعي فيه.

— وعد.

مرت السنوات.

تغيرت حياتنا.

كل واحد فينا دخل طريقه.

لكن صداقتنا فضلت كما هي.

وفي يوم، وأنا براجع صندوق ذكرياتي، لقيت الرسمة القديمة.

رسمة طفلين واقفين جنب بعض.

وفوقهم مكتوب:

**”هنكبر سوا.”**

ضحكت.

لأننا فعلًا كبرنا سوا.

مررنا بالطلاق.

والفقد.

والأسرار.

والخوف.

والحقيقة.

لكن في النهاية، اكتشفت أن أغلى شيء في حياتي لم يكن الميراث الذي تركه أبي.

ولا البيت.

ولا الأموال.

كان الوعد الذي بدأ وأنا عندي ست سنين…

والصديق الذي أثبت لي أن الإنسان لا يُقاس بما يراه الناس في جسده أو تشخيصه، بل بما يحمله في قلبه.

وفي يوم زفاف صاحبي بعد سنوات، وقفت بجانبه وسط الضحك والدموع.

وقبل ما يدخل القاعة، بص لي وقال:

— فاكرة لما قلتيلي وأنا عندي ست سنين إن حد أكيد هيحبني؟

ضحكت.

— فاكرها؟

قال:

— أنا عمري ما نسيتها.

ابتسمت.

— وأنا كنت عندي ست سنين، كنت بقول أي كلام.

هز رأسه.

— لأ.

ثم ابتسم وقال:

— كنتِ بتقولي الحقيقة.

ونظرت إليه وأنا أبتسم.

لأنني فهمت أخيرًا أن بعض الوعود تبدأ بكلمة صغيرة بين طفلين…

لكنها تفضل عايشة مدى الحياة.

تمت

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!