
انتي اتجننتي يابت هتتجوزي واحد معاق ذهنيا وتخلفي أطفال معاقه زيه…انا لا يمكن اقبل بكده ابدا…وأنا عندي 6 سنين، وعدت أعز صاحب ليا إننا هنروح حفلة التخرج سوا.
بعد 12 سنة، وفي الليلة اللي أخيرًا كنا هننفذ فيها الوعد، أمي قفلت عليّا باب أوضتي وقالتلي:
— هتروحي معاه… بس بشرط واحد.
افتكرت إنها هتقولي أرجع بدري، أو ممنوع أشرب، أو أي كلام أمهات معتاد.
لكن الشرط ماكانش له علاقة بالحفلة أصلًا.
لأن أمي بعدها بدقايق قالتلي سر عن صاحبي… وعنها هي شخصيًا…
سر خلاني أبص لكل سنين صداقتنا بشكل مختلف تمامًا.
والأغرب؟
إن صاحبي كان شايل السر ده من سنين…
وعمره ما قالّي.
—
أنا وصاحبي بقينا أصحاب من أولى ابتدائي لسببين مهمين جدًا بالنسبالنا وقتها:
إحنا الاتنين كنا بنكره الزبيب…
وإحنا الاتنين كنا مهووسين بالديناصورات.
هو كان عنده متلازمة داون.
بس دي عمرها ما كانت أول حاجة بتيجي في دماغي لما أبصله.
بالنسبالي، هو كان الولد اللي يقدر يحفظ أرقام ونتايج ماتشات من سنين فاتت، ويدخل معايا في خناقة محترمة لو قلت معلومة غلط عن ديناصور، وكمان كان أكتر واحد ممكن ينتقد رسوماتي بمنتهى القسوة.
مرة رسمت رسمة وقعد يبص لها شوية.
وبعدين قال بمنتهى الجدية:
— دي شبه بطاطساية طالع لها دراعين.
اتعصبت جدًا.
وهو فضل يضحك لحد ما تقريبًا وقع من على الكرسي.
وده كان هو.
صريح…
مضحك…
وعمره ما عرف يجاملني.
—
في يوم، المُدرسة قالتلنا إنها هتتجوز.
الفصل كله قلب كلام عن الفساتين، والفرح، والموسيقى، والتورتة.
وصاحبي قال بكل ثقة:
— أنا لما أتجوز هجيب تورتة شوكولاتة… ومش هشغل أغاني بطيئة مملة.
ولد كان قاعد قدامنا ضحك وقال:
— وإنت مين أصلًا اللي هترضى تتجوزك؟ محدش.
مش عارفة أوصف الإحساس اللي حصل في الفصل وقتها.
أنا كنت صغيرة، ومش فاهمة تمامًا ليه الجملة دي كانت قاسية بالشكل ده.
بس اللي فهمته كويس…
إن ابتسامة صاحبي اختفت.
فبصيت للولد وقلت بعصبية:
— كلامك غبي. أكيد حد هيحبه.
صاحبي بصلي فجأة.
وقال:
— إنتِ؟
أنا عندي ست سنين، يعني أكيد ماكنتش فاهمة السؤال أصلًا.
رفعت كتفي وقلت:
— يمكن… بس الأول لازم نروح حفلة التخرج سوا.
قطب حواجبه.
— يعني إيه حفلة تخرج؟
قلتله:
— حفلة كبيرة لما نبقى شبه كبار كده.
مد صباعه الصغير ناحيتي وقال:
— وعد؟
شبكت صباعي في صباعه.
— وعد.
بعد فترة قصيرة جدًا…
أنا نسيت الحوار كله.
هو؟
افتكر كل كلمة.
—
عدت 12 سنة.
وصداقتنا عدت معاها حاجات كتير.
فصول مختلفة.
هوايات مختلفة.
سنين المراهقة الغريبة.
طلاق أمي وأبويا.
محاولاته المستميتة يخليني أفهم لعبة الكورة والإحصائيات.
ومحاولاتي الفاشلة أخليه يحب الرسم.
وبعدين…
أول مرة قلبي اتكسر فيها.
أول ولد ارتبطت بيه سابني.
وقعدت أعيط في البيت بالساعات.
بعدها لقيت صاحبي جاي عندنا ومعاه علبتين آيس كريم.
ناولني واحدة وقال:
— أنا من الأول قلتلك إنه أهبل.
ضحكت وأنا لسه بعيط.
ودي كانت طريقته دايمًا.
هو عمره ما كان عنده كلام كبير يقوله.
ولا كان بيحاول يصلح كل مشاكلي.
كان بس…
بيقعد جنبي.
لحد ما الوجع يخف شوية.
—
وعشان كده، لما حفلة التخرج وصلت أخيرًا…
ماحسيتش إني بروح معاه شفقة.
وماحسيتش إني بنفذ وعد طفولي وخلاص.
هو أعز صاحب ليا.
وبصراحة؟
ماكانش فيه حد تاني نفسي يكون معايا الليلة دي أكتر منه.
—
يوم الحفلة، وصل عند بيتنا لابس بدلة غامقة وبابيون واضح جدًا إنه مختاره من شهور.
واقف قدام الباب ومعاه الورد بتاعي…
ومبتسم كأنه كسب بطولة عالم.
أمي فتحتله الباب.
وأول ما شافته…
ملامحها اتغيرت.
ابتسامتها اختفت.
فضلت واقفة كام ثانية بتبصله بطريقة غريبة.
وبعدين رجعت ابتسمت بالعافية وقالت:
— هي تقريبًا خلصت.
وسابته وطلعت فوق بسرعة.
—
كنت واقفة قدام المراية بلبس الحلق.
دخلت أمي أوضتي.
وقبل ما أسألها مالها…
قفلت الباب.
وبعدين…
لفت المفتاح.
بصيتلها من المراية.
— ماما؟
بصتلي وقالت:
— إنتِ ممكن تروحي الحفلة معاه النهارده.
ضحكت بتوتر.
— ما أنا أصلًا رايحة معاه.
قالت:
— بس بشرط واحد.
قلت وأنا فاكرة الموضوع بسيط:
— أرجع قبل نص الليل؟ ممنوع أشرب؟
قالت:
— لأ.
ساعتها لاحظت إن إيديها بتترعش.
ابتسامتي اختفت.
— أمال إيه؟
راحت قعدت على طرف السرير.
وقالت:
— لازم تسمعي حاجة الأول.
— أسمع إيه؟
بصتلي في عيني.
— الحقيقة.
بطني اتقبضت.
— حقيقة إيه؟
مدت إيديها ومسكت إيديا.
— حاجة تخص صاحبك.
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
— وتخصني أنا كمان.
فضلت باصة لها ومش فاهمة.
وفجأة عينيها اتمَلّت دموع.
قلت بسرعة:
— ماما… حصل إيه؟
ما ردتش في الأول.
خدت نفس طويل ومهزوز.
وبعدين قالت:
— في حاجة كان لازم أقولها لك من سنين.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
ومن تحت، كنت سامعة ضحكة صاحبي وهو بيتكلم مع قريبتي…
ولا عنده أي فكرة إيه اللي بيحصل فوق.
أمي شدت على إيديا.
وقالت:
— فاكرة أسوأ سنة عدت عليكِ وإنتِ صغيرة؟
بصيتلها وسكت.
قالت:
— السنة اللي أنا وأبوكي انفصلنا فيها…
حسيت الدم اختفى من وشي.
لأن السنة دي كانت فعلًا أسوأ سنة في طفولتي.
صوتها اتهز وهي بتكمل:
— فيه حاجة حصلت وقتها… إنتِ عمرك ما عرفتيها.
فهمت ليه أمي كانت مرعوبة من الليلة دي.
وفهمت إن الوعد اللي أنا نسيته وأنا طفلة…
ماكانش الوعد الوحيد اللي صاحبي حافظ عليه طول السنين دي…ولازم تعرفيها …”الحكاية لم تنتهِ بعد…”
— السنة اللي أنا وأبوكي انفصلنا…
فضلت باصة لأمي وأنا حاسة إن فيه حاجة تقيلة جدًا هتتقال.
قالت بصوت مكسور:
— أبوكي وقتها ماكانش عايز يسيب البيت بس… هو كان عايز ياخدك معاه.
اتجمدت.
— يعني إيه؟
مسحت دموعها بسرعة.
— كان بيقول إني مش هقدر أربيك لوحدي. وكان عايز ياخدك ويبعد بيك عني. وأنا وقتها كنت في أسوأ حالة في حياتي… وماكانش عندي فلوس ولا حتى مكان أعيش فيه.
سكتت لحظة.
— وفي الوقت ده، أم صاحبك هي الوحيدة اللي وقفت جنبي.
رمشت وأنا مش مستوعبة.
— ماما… إيه علاقة ده بصاحبي؟
بصت للأرض.
— علاقة كبيرة.
ثم قالت الجملة اللي خلتني أحس إن الأرض بتتحرك تحتي:
— صاحبيك ماكانش مجرد طفل اتعرف عليك في المدرسة.
قلبي خبط بقوة.
— أمال كان إيه؟
أمي أخدت نفسًا عميقًا.
— كان موجود في حياتك قبل ما تعرفيه أصلًا.
سكتُّ.
— في الليلة اللي أبوكي حاول ياخدك فيها، حصلت خناقة كبيرة. وأنا خرجت أجري بيك من البيت… وكنت خايفة جدًا.
— وبعدين؟
— قابلت أم صاحبك.
فضلت أسمعها وأنا مش قادرة أتكلم.
— كانت بتشتغل وقتها في المستشفى اللي كنت بروح لها بسبب مشكلة حصلت لك وإنتِ صغيرة. وهي اللي ساعدتني، وخبتك عندها كام يوم.
شهقت.
— أنا كنت عايشة عندهم؟
هزت رأسها.
— كام يوم بس.
وبعدين قالت:
— وفي الفترة دي، ابنها كان لسه طفل صغير. كان بيسألني كل يوم: “هي هتمشي إمتى؟”
ابتسمت وسط دموعها.
— وفي يوم دخل عليكِ وإنتِ قاعدة في الصالة، وناولك لعبة ديناصور.
توقفت أنفاسي.
الديناصور.
أول ذكرى بينا.
كنت فاكرة إن أول مرة شوفته كانت في المدرسة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
أمي كملت:
— إنتِ كنتِ بتضحكي معاه، وهو فضل قاعد جنبك طول اليوم. ومن يومها أمّه قالتلي: “واضح إن الاتنين ارتاحوا لبعض.”
سألتها بصوت مرتجف:
— طب ليه ماقولتيليش؟
قالت:
— لأن بعد ما رجعنا بيتنا، أبوكي رجع يحاول ياخدك. وأنا كنت خايفة لو عرف إنك مرتبطة بيه أو بأسرته، يستخدم ده ضدي.
ثم سكتت.
— ولما دخلتي المدرسة بعد كده… لقيتيه قدامك من غير ما تعرفي إنك قابلتيه قبل كده.
حسيت بدموعي بتنزل.
كل السنين دي…
كل الضحكات…
كل المرات اللي كان بيقعد جنبي…
كان يعرف حاجة أنا ماكنتش أعرفها.
بصيت لأمي:
— هو عارف؟
هزت رأسها ببطء.
— أيوه.
اتسعت عيناي.
— من إمتى؟
— من وهو عنده عشر سنين تقريبًا.
حسيت بصدمة أكبر.
— وإنتِ قولتيله؟
— أمه هي اللي قالتله.
— وليه ماقالّيش؟
أمي بصتلي بحزن.
— لأنه وعدها إنه ما يقولش لك إلا لما تكبري وتكوني مستعدة تعرفي الحقيقة.
سكتُّ.
ثم سألت:
— وإيه الشرط اللي كنتِ هتقولي عليه؟
أمي مسكت إيدي بقوة.
— الشرط إنك لو هتروحي الحفلة معاه… لازم تسمعيه بنفسك.
— تسمعيني إيه؟
قالت:
— هو عنده حاجة عايز يقولها لك من زمان.
في اللحظة دي، سمعت خبطًا خفيفًا على الباب.
اتجمدنا إحنا الاتنين.
صوت صاحبي جه من بره:
— خالتو؟ هي كويسة؟
أمي بصتلي.
وبعدين قامت وفتحت الباب.
كان واقف هناك بنفس البدلة، ماسك الورد، لكن ابتسامته اختفت تمامًا.
بصلي وقال:
— أنا آسف.
قلت:
— على إيه؟
سكت.
وبعدين قال:
— لأني خبيت عنك حاجة كل السنين دي.
قرب خطوة.
— بس أنا ماخبيتش عشان أضحك عليكِ.
سألته:
— كنت تعرف إني عشت عندكم؟
هز رأسه.
— أيوه.
دموعي نزلت.
— وإنت فاكر؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— فاكر كل حاجة.
ثم أضاف:
— حتى وعد الديناصورات.
ضحكت رغم دموعي.
لكنه أكمل:
— بس فيه حاجة تانية… أهم.
بصيتله.
— إيه؟
طلع من جيبه ورقة صغيرة قديمة، مطوية بعناية.
فتحها.
كانت رسمة طفولية مشوهة جدًا.
رسمة ليه وليا واقفين جنب بعض، وفوقنا مكتوب بخط طفل:
“هنكبر سوا.”
قال:
— دي رسمة رسمتها بعد ما رجعتي بيتكم.
بصيت للورقة وأنا مش قادرة أتكلم.
— وفضلت محتفظ بيها من وقتها.
ثم مد إيده ناحيتي.
— أنا ماجتش النهارده عشان أنفذ وعد حفلة التخرج وبس.
— أمال؟
ابتسم.
— جاي عشان أقولك إنك كنتِ أول شخص خلاني أحس إني مش مختلف عن أي حد.
سكت لحظة.
— وإنتِ طول عمرك كنتِ بتشوفيني أنا… مش المتلازمة اللي عندي.
أمي كانت بتبكي بصمت.
أما أنا، فمسحت دموعي وقلت:
— وإنت طول عمرك كنت صاحبي.
ابتسم.
— ولسه؟
ضحكت.
— لسه.
مد إيده.
— يبقى نروح الحفلة؟
مسكت إيده.
— نروح.
لكن قبل ما نخرج، أمي نادتني.
التفت.
وكانت واقفة عند الباب ووشها متردد.
قالت:
— استني.
رجعت لها.
قربت مني وقالت بصوت منخفض:
— فيه حاجة تانية ماقولتهالكش.
اتجمدت.
— إيه؟
بصت لصاحبي.
ثم رجعت بصتلي.
— أبوكي ماكانش بيحاول ياخدك منكِ بسبب الطلاق وبس.
سألتها:
— أمال ليه؟
دموعها نزلت.
— لأنه كان يعرف سر أكبر.
وقتها فقط فهمت…
إن اللي سمعته الليلة دي ماكانش نهاية الحقيقة.
كان أول خيط فيها.
والسر اللي احتفظت به أمي لأكثر من عشرين سنة…
كان متعلقًا بسبب وجود صاحبي في حياتي من البداية.
وكان متعلقًا بأبي أكثر مما كنت أتخيل.
